السويد: قوة ناعمة في صناعة الموسيقى العالمية

منذ عقود، تبرز السويد كقوة عالمية في صناعة الموسيقى، حيث قدمت للعالم أساطير مثل فرقة آبا، والملحن ماكس مارتن الذي حطم الأرقام القياسية في كتابة الأغاني، بالإضافة إلى نجوم مثل البيت السويدي وأفيتشي وروبن.

في أبريل الماضي، احتلت الفنانة السويدية زارا لارسون المرتبة الرابعة بين أكبر الفنانات على منصة سبوتيفاي، متفوقة على نجوم عالميين. قبل شهر، أصبحت لارسون أول فنانة سويدية تصل إلى قمة قائمة بيلبورد العالمية 200، مما أثار فخراً كبيراً بين السويديين.

تعد صناعة الموسيقى السويدية مثالاً واضحاً على القوة الناعمة، حيث يساهم المئات من المؤلفين والمنتجين السويديين في كتابة أغاني hits عالمية. ورغم أن عدد سكان السويد لا يتجاوز 10.6 ملايين نسمة، إلا أنها تعد واحدة من أربع دول صافية تصدر الموسيقى، إلى جانب بريطانيا والولايات المتحدة وكوريا الجنوبية.

ستوكهولم تبني البنية التحتية الثقافية

تطرح السويد سؤالاً مهماً: ما هو النظام الذي ينتج هذا النجاح المتكرر؟ الإجابة تكمن في استثمار العاصمة ستوكهولم في البنية التحتية الثقافية، بهدف تعزيز مكانتها كقوة ناعمة.

في 29 أبريل، اختتمت النسخة الأولى من أسبوع ستوكهولم للموسيقى (SMW) في منطقة سلاكثوسومrådet، وهي منطقة صناعية سابقة تحولت إلى مركز للاقتصاد الإبداعي. تأسس الحدث على يد يوهان سيديفورس، المدير التنفيذي السابق في سبوتيفاي، وجمع صانعي القرار من مجالات الموسيقى والتكنولوجيا والحكومة والأكاديميا لمناقشة مستقبل الموسيقى.

شملت النقاشات مستقبل الإبداع، بحضور ممثلين من غوغل ديب مايند ويوتيوب. وقال باتريك برجر، المؤلف الموسيقي الحائز على جائزة غرامي، إن الذكاء الاصطناعي هو «شريك في الملاكمة»، وليس بديلاً عن المواهب الموسيقية البشرية.

وأضاف بيورن أولفيوس، عضو فرقة آبا، أن الذكاء الاصطناعي «أكبر تأثيراً فلسفياً من السينث أو الطبول الإلكترونية، رغم أنه لا مفر من انتشاره».

تحويل المناطق الصناعية إلى مراكز ثقافية

تأتي مبادرة أسبوع ستوكهولم للموسيقى في إطار تحول منطقة سلاكثوسومrådet إلى وجهة ثقافية حيوية. هذه المنطقة، التي كانت في السابق منطقة لتجهيز اللحوم، تأسست عام 1912 على الطراز الفن الآرت نوفو. مع انتقال الصناعات خارج مركز المدينة في أواخر القرن العشرين، تركت وراءها مساحات شاسعة〈〉، جاهزة لإعادة التطوير.

الآن، تشهد المنطقة بناء مكاتب وسكن ومطاعم لدعم القوى العاملة في الاقتصاد الإبداعي، مع الحفاظ على التراث الصناعي للمباني من خلال إعادة استخدام هادفة. هذا التوجه يعكس الفلسفة التي أنتجت نجوم السويد الموسيقيين: التميز الثقافي يعتمد على بنية تحتية مادية حيث يمكن إنتاج الموسيقى واستهلاكها.

السياسات الثقافية تدعم صناعة الموسيقى

لا يمكن أن ننسب نجاح ماكس مارتن إلى وزارة معينة، لكن النظام البيئي الذي أنتجه كان مخططاً له بدقة. تشمل هذه العوامل:

  • مجمعات الاستوديوهات المنتشرة: توفر هذه الاستوديوهات المدعومة حكومياً بيئة مواتية للموسيقيين، مما يمنعهم من مغادرة المناطق التي يمنحونها قيمة ثقافية.
  • مدارس الموسيقى العامة: توفر السويد التعليم الموسيقي لجميع الأطفال حتى سن 15 عاماً من خلال musikskolan، وهي مدارس فنية محلية ممولة من البلديات. تعمل هذه المدارس في 286 من أصل 290 بلدية في السويد، وفقاً لمجلس مدارس الفنون السويدية.

تهدف هذه السياسات إلى بناء الجيل القادم من الموسيقيين، معتبرة الوصول إلى الثقافة حقاً أساسياً. فالمدن الغنية بالثقافة هي أماكن يزدهر فيها السكان، وتجذب الزوار، وتتحسن جودة الحياة، والهوية، والشعور بالانتماء.

الخلاصة: الثقافة كاستثمار مستدام

تثبت السويد أن الاستثمار في الثقافة والبنية التحتية الإبداعية ليس رفاهية، بل استراتيجية ذكية لتحقيق النهضة الحضرية وتعزيز القوة الناعمة. من خلال تحويل المساحات الصناعية إلى مراكز ثقافية، ودعم التعليم الموسيقي، وتطوير سياسات حكومية داعمة، تضع ستوكهولم نفسها في مقدمة المدن التي تدمج الثقافة في نسيجها الحضري، مما يضمن استمراريتها كقوة موسيقية عالمية.

المصدر: Fast Company