أصبح الذكاء الاصطناعي محركاً رئيسياً لتحولات عالم العمل، لكن الكثيرين يشعرون بالقلق إزاء تأثيره على وظائفهم. كشفت دراسة استقصائية أجرتها شركة KPMG عام 2025 أن 52% من العاملين يخشون فقدان وظائفهم بسبب الذكاء الاصطناعي، ترتفع النسبة إلى 60% بين جيل Z. كما وجدت دراسة أخرى أن ثلث الموظفين تقريباً يقومون عمداً بعرقلة جهود شركاتهم في التحول الرقمي. هذه المقاومة غير مسبوقة في تاريخ تبني التكنولوجيا في بيئات العمل، ومع ذلك، فإن الشركات التي تفشل في التكيف مع الذكاء الاصطناعي ستواجه خطر الإفلاس.
في أوائل عام 2023، اتخذ إريك فوغان، الرئيس التنفيذي لشركة إجنايت تكنولوجي، قراراً حاسماً اعتبر فيه الذكاء الاصطناعيGenerated AI تهديداً وجودياً لشركته. فقرر تخصيص 20% من كشوف المرتبات لتدريب الموظفين على الذكاء الاصطناعي، وتعويضهم عن شراء أدواتهم الخاصة، واستعان بخبراء خارجيين، وفرض يوم «الذكاء الاصطناعي» الإلزامي، حيث يجب على كل موظف قضاء يوم كامل أسبوعياً في العمل على مشاريع الذكاء الاصطناعي. إلا أن النتيجة كانت مقاومة شديدة بدلاً من تبني واسع النطاق. رفض الموظفون استخدام التقنيات الجديدة، وتغيبوا عن جلسات التدريب، وحتى قام بعضهم عمداً بعرقلة جهود الشركة في التحول الرقمي.
بعد هذه التجربة، أدرك فوغان أن تغيير العقلية أصعب من اكتساب المهارات، فقرر التخلي عن فكرة تحويل القوى العاملة الحالية. بدلاً من ذلك، أطلق برنامجاً لبناء فريق جديد أكثر تقبلاً للذكاء الاصطناعي. وخلال عام واحد، استبدل الشركة 80% تقريباً من موظفيها. ورغم أن هذه السياسة «الحازمة» حققت بعض النتائج الإيجابية، مثل تطوير منتجات جديدة، وإتمام استحواذ كبير، وتحقيق هوامش تشغيل نادرة في قطاع البرمجيات، إلا أن فوغان أكد أنه سيكرر التجربة مرة أخرى. لكن النجاح جاء على حساب تكلفة بشرية ومالية كبيرة، حيث اضطر إلى تفكيك الشركة وإعادة بنائها من الصفر.
كيف يمكن تجنب السيناريو الصعب؟
هناك طرق أكثر سلاسة وفعالية لتحقيق النجاح في عصر الذكاء الاصطناعي. يقدم الخبراء خطة مدتها 90 يوماً لبناء ثقافة جاهزة للذكاء الاصطناعي دون الحاجة إلى إجراءات قاسية. إليك الخطوات الرئيسية:
المرحلة الأولى: التشخيص (الأيام 1-30)
تهدف هذه المرحلة إلى فهم الثقافة الحالية من خلال تجربة الموظفين اليومية، حيث ستنجح مبادرات الذكاء الاصطناعي أو تفشل بناءً عليها.
- كشف الفجوة بين الثقافة المعلنة والممارسات الفعلية: تمتلك كل مؤسسة ثقافة معلنة، مثل القيم المعلنة على الجدران، والرسالة على الموقع الإلكتروني، واللغة المستخدمة في الاتصالات الإدارية. لكن هناك أيضاً ثقافة حقيقية، تتمثل في كيفية اتخاذ القرارات في الاجتماعات، والسلوكيات التي تُكافأ على أرض الواقع. يجب استخدام مزيج من استطلاعات الموظفين، والملاحظات المباشرة، ومحادثات فردية بين القادة والموظفين لرسم هذه الفجوة.
- تقييم السلامة النفسية بدقة: يجب قياس مستوى السلامة النفسية في الفرق باستخدام أدوات معتمدة. فالفرق التي تعاني من انخفاض في السلامة النفسية هي الأماكن التي ستفشل فيها مبادرات الذكاء الاصطناعي. كما يجب تحديد العوامل التي تقلل من الشعور بالأمان، مثل الخوف من الفشل أو عدم الثقة في الإدارة.
المرحلة الثانية: التصميم (الأيام 31-60)
بعد تحديد الفجوات، تأتي مرحلة تصميم ثقافة جديدة تدعم الذكاء الاصطناعي. يجب أن تشمل هذه المرحلة:
- إعادة تعريف القيم والمبادئ: يجب أن تعكس القيم الجديدة التزام المؤسسة بالابتكار، والتعلم المستمر، والاستعداد للتغيير. كما يجب أن تكون هذه القيم مدعومة بسياسات واضحة، مثل تخصيص وقت للتدريب، وتشجيع التجارب، وتحمل المخاطر المحسوبة.
- بناء فرق متعددة التخصصات: يجب أن تضم الفرق العاملة على الذكاء الاصطناعي خبراء من مختلف التخصصات، مثل الهندسة، والتسويق، والموارد البشرية. كما يجب تشجيع التعاون بين الأقسام المختلفة لتفكيك الأطر التقليدية.
- تطوير برامج التدريب: يجب أن تشمل البرامج تدريباً على المهارات التقنية، مثل استخدام أدوات الذكاء الاصطناعي، بالإضافة إلى المهارات اللينة، مثل التفكير النقدي، وحل المشكلات، والتواصل الفعال.
المرحلة الثالثة: التنفيذ (الأيام 61-90)
في هذه المرحلة، يتم تطبيق الثقافة الجديدة على أرض الواقع. يجب أن تشمل:
- إطلاق مشاريع تجريبية: يجب بدء مشاريع صغيرة ومحدودة النطاق لاختبار الأفكار الجديدة. يمكن أن تشمل هذه المشاريع تطوير نماذج ذكاء اصطناعي بسيطة، أو أتمتة عمليات روتينية.
- تشجيع المشاركة الفعالة: يجب أن يشعر الموظفون بأنهم جزء من العملية، وليس مجرد مستخدمين سلبيين للتقنيات الجديدة. يمكن تحقيق ذلك من خلال جلسات عصف ذهني، وورش عمل تفاعلية، وبرامج تحفيزية.
- قياس التقدم وتعديل الاستراتيجية: يجب تقييم مدى نجاح المبادرات الجديدة باستخدام مؤشرات أداء واضحة، مثل معدل تبني الأدوات الجديدة، ومستوى الرضا الوظيفي، وزيادة الإنتاجية. كما يجب تعديل الاستراتيجية بناءً على النتائج.
«الثقافة هي العامل الحاسم في نجاح استراتيجية الذكاء الاصطناعي. بدون ثقافة تدعم الابتكار والتعلم المستمر، ستفشل أي مبادرة رقمية.»
من خلال اتباع هذه الخطة، يمكن للقادة بناء ثقافة جاهزة للذكاء الاصطناعي دون الحاجة إلى إجراءات قاسية أو استبدال القوى العاملة. فالتحول الثقافي الناجح هو المفتاح لتحقيق ميزة تنافسية في عصر الذكاء الاصطناعي.