منذ عقود، ارتبطت ويكيبيديا بأوسع موسوعة إلكترونية في العالم، تضم مقالات تغطي كل شيء من الحقائق العلمية إلى الأحداث التاريخية، وحتى الموضوعات الغريبة والنادرة. لكن ماذا لو كانت هناك موسوعة أخرى، لا تحتوي على حقائق، بل على خيالات الذكاء الاصطناعي؟
هالوبيبيا: موسوعة ويكيبيديا المزيفة بالكامل
هالوبيبيا (Halupedia) هي منصة ويكيبيديا جديدة تروج لنفسها على أنها «موسوعة للموضوعات التي لم تحظ باهتمام كاف في المراجع الرئيسية». بعبارة أخرى، كل مقال في هالوبيبيا مختلق بالكامل بواسطة الذكاء الاصطناعي، ولا وجود لأي من محتوياتها في الواقع. سواء بحثت عن «شركة آبل» أو «الثورة الفرنسية»، ستجد مقالاً مزيفاً يتناسب مع أسلوب الموسوعة المزيف، والذي يبدو وكأنه تاريخ حقيقي.
عند زيارة الموقع، يمكنك الضغط على زر «اكتشف» (Stumble) للحصول على مقال عشوائي، أو إدخال أي مصطلح للبحث. إذا كان المصطلح جديداً على الموقع، ستظهر لك قائمة بمقالات محتملة تتناسب مع «الأسطورة» التي بنتها هالوبيبيا مسبقاً، كلها مكتوبة بأسلوب تاريخي مزيف. على سبيل المثال، عند البحث عن «Fast Company»، تظهر مقالات مثل «جمعية القراءة المتسرعة»، «ذعر التسويف لعام 1903»، و«دراسة الكسل في البيروقراطية العثمانية».
كل مقال مليء بروابط تشعيبية تؤدي إلى مقالات أخرى同样 مزيفة، مما يخلق متاهة لا نهائية من المحتوى الغريب والمتناقض. النتيجة؟ عالم افتراضي غريب الأطوار، حيث كل مقال يصبح «حقيقة» بمجرد كتابته، حتى لو كان سخيفاً أو متناقضاً.
نشأة هالوبيبيا: من ليلة سكر إلى ظاهرة إنترنت
ابتكر هالوبيبيا المطور البولندي بارتمج ستراتما (Bartłomiej Strama)، الذي اعترف في تعليق على ريديت أن الفكرة جاءت بعد ليلة سكر مع صديق. في غضون أسبوع من إطلاقها، تجاوز عدد مستخدمي هالوبيبيا 150 ألف مستخدم. لكن وراء السخرية، هناك هدف أكبر من مجرد المتعة.
في رد على أحد المتبرعين على صفحته «اشترِ لي قهوة»، كتب ستراتما: «مساهمتك في تلويث بيانات تدريب نماذج اللغة الكبيرة ستفيد المجتمع بالتأكيد!». كما أنشأ سيرفر ديسكورد ومجموعة فرعية على ريديت مخصصة للمشاركين في هالوبيبيا. في منشوره التقديم، وصف المشروع بأنه «الموسوعة الوحيدة التي تعتبر هلوسات الذكاء الاصطناعي هدفها الرئيسي».
شجع ستراتما المستخدمين على مشاركة اكتشافاتهم، ومناقشة استراتيجيات كتابة الأوامر (prompts)، وحتى الربط بين المقالات المختلفة لبناء «كون سينمائي غريب» يبنيه الذكاء الاصطناعي عن غير قصد. وكتب: «أفضل جزء هو الاتساق في الكتابة إلى الأمام. إذا ذكر مقال ما «معاهدة الغيلان لعام 1994»، تصبح هذه الحادثة حقيقة مطلقة. اضغط عليها، وسيضطر الذكاء الاصطناعي على الفور إلى إنشاء تاريخ دقيق للغيلان».
الجانب المظلم للمتاهة اللامتناهية
لكن ما الذي يملأ هذه الموسوعة اللامتناهية؟ مثل أي ساحة تفاعلية على الإنترنت، تميل هالوبيبيا بسرعة نحو التطرف السياسي،甚至 الكراهية والتمييز. عند الاطلاع على قسم «أفضل المقالات» (Top Folios)، نجد أن أكثر المواضيع شعبية هي تلك التي تتجاوز حدود الفكاهة السوداء إلى محتوى ضار.
على الرغم من أن هالوبيبيا بدأت كمشروع فكاهي، إلا أنها أصبحت مثالاً على كيف يمكن للذكاء الاصطناعي أن يولد محتوى ضاراً وغير منضبط. فبينما يستمتع البعض بالعثور على المقالات الغريبة، يتساءل آخرون عن الآثار السلبية لهذه المنصة على البيانات التي تستخدمها نماذج الذكاء الاصطناعي في التدريب.
في النهاية، تطرح هالوبيبيا تساؤلات مهمة حول حدود المحتوى المزيف، ودور الذكاء الاصطناعي في تشكيل الواقع، وكيف يمكن أن تتحول الفكاهة إلى خطر حقيقي.