في السنوات الأخيرة، انتشرت في الشركات الكبرى مبادرات متنوعة تحت مسمى "رفاهية الموظفين"، مثل غرف التأمل وغرف اليوجا وغرف الاسترخاء. من أبرز الأمثلة على ذلك ما قامت به شركة أمازون، حيث أنشأت ما أطلقت عليه اسم "ZenBooths" أو غرف الممارسات الذهنية، وهي عبارة عن كبائن صغيرة مجهزة بمراوح ونباتات صغيرة وشاشات تعرض فيديوهات تأمل. بينما وصفتها الشركة بأنها غرف لتعزيز الصحة النفسية، أطلق عليها الموظفون اسم "غرف اليأس"، بل إن البعض وصفها بأنها "توابيت للموظفين" الذين لا يملكون حتى الوقت الكافي للذهاب إلى الحمام بسبب الضغوط الإنتاجية الهائلة.

تعتبر هذه الغرف مثالاً مصغراً لما يحدث في الشركات الحديثة، حيث تنفق الشركات ملايين الدولارات على برامج الرفاهية، معتقدة أنها ستجعل بيئات العمل أكثر جاذبية، في الوقت الذي يعاني فيه الموظفون من انخفاض ملحوظ في مستوى الانخراط الوظيفي. ووفقاً لاستطلاع غالوب، انخفضت نسبة انخراط الموظفين إلى 20% في عام 2025، وهي أدنى نسبة منذ فترة الإغلاق بسبب جائحة كوفيد-19.

الإجهاد ليس مشكلة فردية.. بل نتيجة لإدارة سيئة

أجرى باحثون من جامعة أكسفورد تحليلاً لبيانات أكثر من 46 ألف موظف، قارنوا خلالها بين الذين شاركوا في برامج الرفاهية وأولئك الذين لم يشاركوا. وكانت النتيجة أن أياً من هذه البرامج لم يحقق تحسناً ملحوظاً في رفاهية الموظفين. وتعتمد هذه البرامج على افتراض خاطئ مفاده أن تقديم أدوات للاسترخاء سيعالج الإجهاد، في حين أن المشكلة الحقيقية تكمن في الظروف التي تسبب الإجهاد من الأساس.

تشمل هذه الظروف workload غير واقعي، والإشراف المفرط، وعدم وجود تغذية راجعة، واستلام رسائل العمل خارج ساعات الدوام. يشعر الموظفون بهذه الظروف من خلال تفاعلاتهم اليومية مع مديريهم، سواء في كيفية توزيع المهام أو تقييم الأداء أو احترام أوقات العمل. وفي دراسة أخرى، وجد غالوب أن الموظفين الذين يرون أن ممارسات إدارة فرقهم غير فعالة هم أكثر عرضة بنسبة 60% للإبلاغ عن مستويات عالية من الإجهاد.

إذا كان فريقك أقل نشاطاً ويعاني من الإرهاق السريع، فإن المشكلة لا تكمن في نقص برامج الرفاهية، بل في القرارات الإدارية السيئة. حان الوقت للمديرين لإلقاء نظرة جادة على ممارساتهم الإدارية.

المدير الداعم هو المفتاح لرفاهية الفريق

أدير فريقاً مكوناً من 90 موظفاً حتى عام 2022، حيث كنا نعمل من مكتب في مدينة خرسون الأوكرانية، ونؤمن بشدة بالتعاون وجهًا لوجه. أظهرت استطلاعاتنا الدورية أن الشعور بالانتماء الذي بنيناه على مدار 10 سنوات من العمل المشترك كان الدافع الأكبر للموظفين. ومع الغزو الروسي الشامل لأوكرانيا، اضطررنا للتفرق في مدن ودول مختلفة، وانتقلنا إلى نظام العمل الكامل عن بعد. كان عليَّ тогда تقديم صيغ جديدة للحفاظ على تفاعل الفريق، مثل:

  • جلسات فردية منتظمة مع قادة الفرق: لضمان متابعة كل فرد وتقديم الدعم اللازم.
  • جلسات تنسيق قصيرة للفرق: تركز على الأولويات والعقبات التي تواجه الفريق.
  • جلسات أسئلة وأجوبة مفتوحة: حيث يمكن للفريق طرح الأسئلة حول القرارات والتغييرات في طريقة العمل.

على الرغم من عدم قدرتنا على عقد فعاليات وجهاً لوجه في الوقت الحالي، إلا أننا نجحنا في الحفاظ على جو صحي داخل الفريق، رغم المسافة المحدودة وفرص بناء الفريق المتاحة.

خمسة أساليب أثبتت فعاليتها في إدارة الفرق عن بعد

  1. التركيز على الأساسيات: workload معقول، جدول زمني مرن، ورواتب عادلة ليست امتيازات، بل هي أساس الرفاهية. إذا لم يتمكن الموظف من أخذ إجازة مرضية أو قضاء يومه دون ضغط لا يطاق، فلن تفيده أي غرفة تأمل.
  2. الشفافية في التواصل: يجب على المديرين مشاركة القرارات والأسباب وراءها، حتى لو كانت قرارات صعبة. هذا يقلل من الشعور بعدم اليقين والإحباط.
  3. تقديم الدعم الفعلي: لا يكفي أن تقول "أنا هنا للمساعدة". يجب أن تكون متاحاً حقاً، سواء من خلال جلسات فردية أو تقديم الموارد اللازمة لإنجاز العمل.
  4. احترام الحدود الشخصية: عدم إرسال رسائل العمل خارج ساعات الدوام، وعدم مطالبة الموظفين بالإجابة على المكالمات في أوقات الراحة. هذا يظهر احتراماً لحياة الموظفين الشخصية.
  5. بناء الشعور بالانتماء: حتى في بيئة العمل عن بعد، يمكن للمديرين خلق شعور بالانتماء من خلال الفعاليات الافتراضية، والتقدير العلني، وتشجيع التفاعل الاجتماعي بين أعضاء الفريق.

برامج الرفاهية مثل غرف التأمل أو اليوجا قد تبدو حلاً سهلاً وسريعاً، لكنها في الواقع لا تعالج الأسباب الجذرية للإجهاد في بيئة العمل. الحل الحقيقي يكمن في الإدارة الفعالة والدعم اليومي من قبل المديرين. عندما يشعر الموظفون أنهم مدعومون ومفهومون، ستتحسن رفاهيتهم وانخراطهم تلقائياً، دون الحاجة إلى أي غرفة تأمل.

المصدر: Fast Company