تهديد الحواسيب الكمية: أزمة حوكمة أم تحدٍ تقني؟
أكد محللون أن تهديد الحواسيب الكمية للبيتكوين لا يقتصر على الجانب التقني، بل يتحول إلى أزمة حوكمة تعرقل اتخاذ القرارات اللازمة لحماية الشبكة. هذا ما أكده غيوم جيرارد، الشريك في شركة UTXO Management، في تعليق نشره مؤخراً تحت عنوان "البيتكوين والتهديد الكمي: دليل غير تقني".
يشير جيرارد إلى أن الحواسيب الكمية ذات القدرة التشفيرية (CRQC) لا تزال غير موجودة بعد، وقد لا تصل إلى المستوى المطلوب لاختراق تشفير البيتكوين. ومع ذلك، يجب على مجتمع البيتكوين التحرك الآن، لأن عملية الحوكمة التي تحكم أي تغيير في البروتوكول تتحرك ببطء شديد، كما وصفها جيرارد بأنها «تتحرك بوتيرة مجلس تشريعي».
كيف تهدد الحواسيب الكمية البيتكوين؟
يعتمد البيتكوين على التشفير المنحني الإهليلجي لحماية المفاتيح الخاصة التي تتحكم في الوصول إلى المحافظ. في حال تمكنت حاسوب كمي قوي من تشغيل خوارزمية شور (Shor’s algorithm)، يمكنه استخراج المفتاح الخاص من المفتاح العام المكشوف، مما يتيح سرقة الأموال على نطاق واسع.
أظهرت أبحاث فريق غوغل للذكاء الاصطناعي الكمي في مارس الماضي أن آلة تحتوي على أقل من 500 ألف وحدة كمومية (qubits) قد تكفي لاختراق هذا التشفير. وقد حددت غوغل هدفها لجاهزية ما بعد الكم بحلول عام 2029. حالياً، هناك ما يقرب من 1.7 مليون بيتكوين مخزنة في عناوين قديمة من نوع Pay-to-Public-Key (P2PK)، حيث تكون المفاتيح العامة مكشوفة بشكل دائم على السلسلة، مما يجعلها الأهداف الأكثر عرضة للخطر.
الحلول المقترحة: بين التقنية والسياسة
هناك عدة مقترحات لحماية البيتكوين من التهديد الكمي، أبرزها:
- BIP-360 (Pay-to-Merkle-Root - P2MR): يقترح مطور "هانتر بيست" نوعاً جديداً من المخرجات يزيل تعرض المفاتيح العامة في المعاملات القياسية. تم دمج هذا المقترح في مستودع تطوير البيتكوين وجاري مراجعته.
- BIP-361 (جيمسون لوب): يضع خطة ثلاثية المراحل للانتقال بعيداً عن أنظمة التوقيعات الضعيفة. ومع ذلك، قد تؤدي المرحلة الثانية إلى تجميد العملات في المحافظ التي تفشل في التحديث خلال خمس سنوات.
- Hourglass: يقترح السماح للمهاجمين الكميون بنقل العملات المسروقة بكميات محدودة (مثل 1 بيتكوين لكل كتلة)، مما يحد من الأضرار الاقتصادية ويحول عائدات الرسوم إلى القائمين بالتعدين.
لكن المشكلة الأكبر تتعلق بالعملات التي لا يمكن نقلها: المحافظ المفقودة، أو الحائزين غير النشطين، بالإضافة إلى ما يقدر بنحو 1.1 مليون بيتكوين تعود إلى ساتوشي ناكاموتو.
حلان متناقضان: الحرق أو التقييد
يقدم جيرارد حلين رئيسيين، لكن كلاهما يحمل عيوباً كبيرة:
- الحرق بعد الموعد النهائي: يقترح حرق العملات في العناوين المعرضة للخطر بعد فترة محددة. supporters يرون أن هذا الحل فعال، لكن منتقديه يحذرون من أنه قد يفتح الباب لفرض رقابة على البروتوكول، الذي بني على الحياد.
- Hourglass: يقبل بأن السرقة ستحدث، لكنه يقترح تقييد تدفق العملات المسروقة لتقليل تأثيرها على السعر وسلامة السوق.
كلا الحلين يتطلبان إجماعاً اجتماعياً واسعاً بين المستخدمين، القائمين بالتعدين، المطورين، وحتى المؤسسات الكبرى مثل بلاك روك للمرة الأولى.
استجابة المؤسسات: هل بدأت التحركات مبكراً؟
لم يعد النقاش محصوراً في قوائم بريد المطورين. فقد قامت شركة جيفريز بإزالة تخصيصها الكامل البالغ 10% من البيتكوين من نماذج صناديق التقاعد الخاصة بها، وفقاً لتقارير حديثة. هذا التحرك يعكس قلقاً متزايداً بين المؤسسات بشأن المخاطر الكمية.
في الوقت نفسه، لا تزال عملية اتخاذ القرارات في شبكة البيتكوين بطيئة، مما يثير تساؤلات حول قدرة المجتمع على الاستجابة في الوقت المناسب قبل أن تصبح الحواسيب الكمية تهديداً حقيقياً.
«إن تهديد الحواسيب الكمية للبيتكوين ليس تقنياً فحسب، بل سياسياً أيضاً. الحل يتطلب توافقاً واسعاً لم يسبق له مثيل في تاريخ البيتكوين.»
ماذا بعد؟
بينما تستعد بعض المؤسسات للتصدي للمخاطر، يبقى السؤال الأهم: هل ستتمكن شبكة البيتكوين من التوصل إلى حل موحد قبل فوات الأوان؟ مع استمرار النقاش حول أفضل السبل للحماية، يظل مستقبل البيتكوين في ظل التهديد الكمي غير مؤكد، مما يدفع المجتمع إلى تسريع الحوار واتخاذ إجراءات حاسمة.