إذا كانت الذكاء الاصطناعي قادراً على كتابة رسائلنا، وتحليل البيانات، وتوليد الأكواد البرمجية، فإن الآلات تتفوق على البشر في كل ما نقيسه اليوم: السرعة، والإنتاجية، وإنجاز المهام. بناءً على هذه المعايير، يخسر البشر وظائفهم، وكرامتهم، وقيمتهم. دراسة إدارية حديثة كشفت أن الذكاء الاصطناعي يمكنه زيادة إنتاجية العاملين بنسبة 12%، وسرعة إنجازهم بنسبة 25%، لكنه يقدم إجابات خاطئة بنسبة 19%. رقم لافت ينذر بمشكلة عميقة.

نحن نضبط أنظمة قياسنا على الحركة، وليس على الاتجاه. نصبح مثل «ويلي كايوتي» الذي يركض مسرعاً، ليكتشف بعد فوات الأوان أن الأرض قد اختفت من تحت قدميه. والفرق الجوهري الآن هو أن الذكاء الاصطناعي يختلف تماماً عن الذكاء البشري. على الرغم من تسميته «التوليدي»، إلا أنه في الواقع تكراري، تماماً مثل «وسائل التواصل الاجتماعي» التي لا تحمل أي معنى اجتماعي حقيقي.

ما الذي يفعله الذكاء الاصطناعي حقاً؟

  • يجد أنماطاً في ما هو موجود بالفعل.
  • يحسن ما تم إنجازه مسبقاً.
  • يعجل باتخاذ قرارات سبق اتخاذها.

إنه قادر على تأليف أغنية بناءً على قصتك، أو بناء موقع ويب بسيط لك. لكنه لا يستطيع:

  • تخيل ما لم يوجد بعد.
  • الاعتراض أو الاختلاف.
  • التعاطف مع الآخرين.
  • تحمل التوترات أو الشعور بانعدام سلامة القرار.

البشر وحدهم قادرون على ذلك. نحن لا نكتفي بمعالجة العالم، بل نعيد تشكيله. نأخذ مشكلة لم يحلها أحد، نجلس مع تناقضاتها، ونناضل معها حتى نبتكر شيئاً لم يره الآخرون، ونبني شيئاً مفيداً حقاً. هذه القدرة التوليدية — تخيل المستقبل بدلاً من تكراره — هي الوقود وراء كل ابتكار حقيقي. لكن أنظمة تقييمنا الإدارية لم تتعلم أبداً رؤيتها.

مشكلة قديمة أصبحت أزمة حادة

هذه ليست مشكلة جديدة، بل هي أزمة عمرها مئة عام دفعتنا recent ظهور الذكاء الاصطناعي إلى الواجهة. في أوائل القرن العشرين، قدم «فريدريك تايلور» مفهوم الإدارة العلمية: العمل البشري يمكن ويجدر به أن يكون موحداً، مقاساً، ومحسّناً مثل أي مدخل صناعي آخر. الناس كانوا مدخلات، والكفاءة كانت المخرج.

بعد ذلك، اعتمد الجيش الأمريكي أنظمة تقييم لترتيب الجنود وفقاً لبعضهم البعض — أداة هرمية عسكرية صممت لترتيب الناس للنشر، وليس لتطويرهم. عندما انتهت الحروب، ورثت الشركات كلاً من المنطق والشكل. بحلول الخمسينيات، أصبح تقييم الأداء السنوي جزءاً أساسياً من حياة الشركات، ليس لأنه طور الناس أو الأفكار أو الابتكارات، بل لأنه رتب، وصنف، وقيم.

ثم جاء «جاك ويلش» ليغرس الفكرة بقوة في «جنرال إلكتريك». جعلها ذات عواقب وخيمة: أفضل 20% يكافؤون بسخاء، وأسوأ 10% يُفصلون سنوياً، عن عمد. ما انتشر في عالم الأعمال لم يكن مجرد ممارسة، بل كان مبدأً: البشر مصممون ليتم تصنيفهم بدلاً من ربطهم ببعضهم البعض.

لكن ما لا يعرفه الكثيرون هو أن نظام «الترتيب والتصنيف» لم يكن في الواقع为了 تحسين الأداء. كان «ويلش» بحاجة إلى آلية لفصل الناس، لأنه كان يدير تصورات المساهمين — مستخدماً هذه الأداة وغيرها لجعل الشركة تبدو أكثر كفاءة، بغض النظر عن الواقع.

«نحن نضبط أنظمة قياسنا على الحركة، وليس على الاتجاه. نصبح مثل «ويلي كايوتي» الذي يركض مسرعاً، ليكتشف بعد فوات الأوان أن الأرض قد اختفت من تحت قدميه.»

لماذا أصبحت هذه المشكلة حادة الآن؟

لأن الذكاء الاصطناعي لم يأتِ ليحل محل البشر في المهام الروتينية فحسب، بل ليكشف عن فشل أنظمة تقييمنا في رؤية القيمة الحقيقية للابتكار والإبداع البشري. نحن نتعامل مع البشر كما نتعامل مع الآلات: نقيس السرعة، والإنتاجية، والكفاءة، لكننا نغفل عن أهم ما يميزهم — القدرة على التخيل، والاختلاف، والإبداع.

إذا استمررنا في تقييم البشر بناءً على معايير الآلات، فإننا نخاطر بفقدان ما يجعلنا بشراً: قدرتنا على خلق المستقبل، وليس مجرد تكراره.

المصدر: Fast Company