منذ أسابيع، تصدرت شركة أنثروبيك، إحدى أبرز شركات الذكاء الاصطناعي، عناوين الأخبار بعد إصدارها تحذيراً جديداً بشأن ما أسمته بـ«الانفجار الذكي» المتوقع. وأعلن ذراعها البحثي عن خطة شاملة لمواجهة المخاطر المتعددة لهذه التكنولوجيا المتقدمة، بما في ذلك احتمال أن تصبح أنظمة الذكاء الاصطناعي قادرة على «التكاثر» من تلقاء نفسها، أي تطوير نسخ أفضل من نفسها دون أي تدخل بشري.

وقال جاك كلارك، أحد مؤسسي أنثروبيك، في تصريح لـ«أكسيوس»: «أتوقع أنه بحلول نهاية عام 2028، من المرجح أن نكون أمام نظام ذكاء اصطناعي يمكن القول له: «صمم نسخة أفضل منك»، ثم ينفذ ذلك بشكل مستقل تماماً».

تعتبر أنثروبيك من الشركات التي اشتهرت بتحذيراتها المتكررة بشأن مخاطر الذكاء الاصطناعي، لكنّها ليست الوحيدة. فـأوبن إيه آي، مطورة «تشات جي بي تي»، تطلق تحذيرات مماثلة بشكل دوري، بينما تسعى في الوقت نفسه لجمع رؤوس أموال ضخمة لتمويل أعمالها. ووفقاً لتقرير «وول ستريت جورنال»، سمحت أوبن إيه آي مؤخراً لموظفيها السابقين والحاليين ببيع أسهم بقيمة تصل إلى 30 مليون دولار، حيث استغل أكثر من 600 موظف هذه الفرصة لبيع حصصهم، مما أدى إلى تداولات بلغت قيمتها الإجمالية 6.6 مليار دولار.

تناقضات لا يمكن تجاهلها

تظهر التناقضات واضحة في سلوك شركات الذكاء الاصطناعي الكبرى. فهي من جهة تحذر من مخاطر كارثية محتملة لهذه التكنولوجيا، ومن جهة أخرى تسرع في نشرها وزيادة انتشارها، متسابقة على السيطرة على ما يوصف بأنه «التحول التكنولوجي الأهم في تاريخ البشرية». ولا تقتصر هذه التناقضات على الشركات الخاصة فحسب، بل تشمل أيضاً الحكومات التي تسارع إلى دمج الذكاء الاصطناعي في أنظمة عسكرية وتعليمية وإدارية، معترفاً في الوقت نفسه بالتحديات والمخاطر التي تفرضها هذه التكنولوجيا.

وفي مقال بعنوان «مراهقة التكنولوجيا»، نشره في يناير الماضي، رسم الرئيس التنفيذي لأنثروبيك داريو أمودي صورة درامية للمستقبل، مستلهماً من كتاب «اتصال» للكاتب كارل ساغان.他认为 أننا نقف على عتبة تاريخية بين الحضارة التي نعيشها والحضارة التي قد نصبح عليها، محذراً من خمسة أنواع رئيسية من المخاطر الوجودية: أنظمة الذكاء الاصطناعي المستقلة الشرسة، واستخدام الذكاء الاصطناعي لأغراض التدمير الشامل، والاستيلاء الاستبدادي عليه للسيطرة السياسية، والاضطرابات الاقتصادية، وتركز الثروة المفرط. كما توقع حدوث تأثيرات غير مباشرة لا يمكن توقعها بعد.

من التحذير إلى طلب التمويل

بعد سبعة عشر يوماً من نشر المقال، أعلنت أنثروبيك عن جولة تمويل جديدة بقيمة 30 مليار دولار، لترتفع قيمتها السوقية إلى 380 مليار دولار. وفي الأسبوع الماضي، كشفت «فاينانشال تايمز» عن خطط الشركة لجمع عشرات المليارات الأخرى هذا الصيف، بهدف الوصول إلى تقييم سوقي قدره تريليون دولار، متجاوزاً بذلك تقييم أوبن إيه آي البالغ 852 مليار دولار.

هذا الترابط بين التحذيرات وجمع الأموال ليس من قبيل الصدفة. فـ«مراهقة التكنولوجيا» ليس مجرد تحذير، بل هو أيضاً عرض تسويقي استثماري. فادعاء «أننا الأكثر مسؤولية» يصبح في الوقت نفسه ادعاء أخلاقياً ووسيلة للتنافس في السوق. كما أن مخاوف «تأخر الصين» تصبح حجة تدعو إلى زيادة التمويل الوطني.

ويعترف أمودي بالخطر الذي تشكله هذه التكنولوجيا، قائلاً: «إذا لم نتمكن من السيطرة عليها، فقد تصبح خارج السيطرة». ومع ذلك، فإن الشركات الكبرى لا تزال تتسابق لتسويق حلولها، بينما تستمر في جمع الأموال من المستثمرين الذين يرون في الذكاء الاصطناعي فرصة لا تفوت.

المصدر: The New Republic