أصبحت أزمة المياه واحدة من أكبر التحديات التي تواجه البشرية في القرن الحادي والعشرين، حيث يعيش ربع سكان العالم تقريباً في مناطق تعاني من ندرة المياه الشديدة. ومع تزايد حدة الجفاف وظروف الطقس القاسية، لم تعد تقنيات تحلية المياه خياراً اختيارياً في بعض المناطق، بل ضرورة survival.
منذ عقود، اعتمدت الدول على بناء محطات تحلية ضخمة على السواحل، تعتمد على عملية التناضح العكسي التي تتطلب ضخ مياه البحر عبر أغشية شبه منفذة لفصل الملح والشوائب عن المياه العذبة. لكن هذه الطريقة традиционية تتسم بارتفاع تكاليفها التشغيلية، خاصة بسبب استهلاكها الكبير للطاقة. اليوم، تسعى شركات ناشئة إلى تغيير هذه المعادلة من خلال حلول مبتكرة تتراوح بين منشآت تحت سطح البحر إلى أجهزة تحلية محمولة للأفراد والأسر.
حلول مبتكرة لتحديات قديمة
في ظل هذه التحولات، برزت شركة OceanWell، التي تقدم حلاً ثورياً يعتمد على استغلال الضغط الطبيعي للمحيطات لخفض تكاليف الطاقة. يقول روبرت بيرغستروم، الرئيس التنفيذي للشركة، الذي يمتلك خبرة طويلة في صناعة المياه: «توصلت إلى فكرة استخدام الضغط الطبيعي لتشغيل عملية التحلية».
تعتمد تقنية الشركة على وضع الأغشية في بيئة طبيعية تتعرض لضغط هائل يبلغ 800 رطل لكل بوصة مربعة، أي على عمق 800 قدم تحت سطح البحر. كل وحدة من هذه الوحدات قادرة على إنتاج مليون جالون من المياه العذبة يومياً، مستخدمة الضغط المحيط بدلاً من المضخات عالية الطاقة. وهذا يقلل من استهلاك الطاقة بنسبة 40%، مما يمثل انخفاضاً كبيراً في التكاليف التشغيلية.
في نظام OceanWell، يتم الحفاظ على ضغط داخلي منخفض داخل كل وحدة مقارنة بالضغط المحيط، مما يسمح لمياه البحر بالتدفق بشكل سلبي عبر الأغشية، تماماً كما يحدث في المحطات التقليدية، لكن بدون الحاجة إلى مضخات عالية الطاقة. بعد ذلك، تقوم مضخات صغيرة بضخ المياه العذبة عبر أنابيب إلى الشاطئ، بينما يتم التخلص من المحلول الملحي المتبقي في أعماق المحيط.
تحديات بيئية وحلول مستدامة
تواجه محطات التحلية التقليدية مشكلة كبيرة تتعلق بالآثار البيئية، حيث تنتج مياه صرف مركزة بالمحاليل الملحية التي يتم التخلص منها بالقرب من سطح البحر، مما يؤثر سلباً على النظم البيئية البحرية. كما أن هذه المحطات قد تسبب أضراراً للكائنات الحية الكبيرة والصغيرة، سواء عن طريق حبسها أمام شبكات السحب أو سحبها إلى داخل المنشأة.
تقدم تقنية OceanWell حلاً جزئياً لهذه المشكلة، حيث تعمل على تصفية الكائنات الكبيرة بينما تسمح للكائنات الدقيقة بالمرور عبر الوحدات والعودة إلى المحيط دون ضرر. وهذا يسهل عملية الحصول على التراخيص اللازمة، خاصة في مناطق مثل كاليفورنيا حيث تعمل الشركة على اختبار نظامها.
تهديدات عسكرية وأهمية المرونة
على الرغم من فوائدها، أصبحت محطات التحلية هدفاً للهجمات العسكرية في مناطق النزاعات، كما حدث في الحرب الدائرة في إيران. هذا التهديد يبرز أهمية تطوير بدائل أكثر مرونة، مثل المنشآت تحت سطح البحر التي يصعب استهدافها.
تنتشر تقنيات التحلية بشكل واسع في دول الخليج العربي، حيث تعتمد السعودية وإسرائيل والبحرين والكويت وقطر على هذه التقنية لتوفير معظم احتياجاتها من المياه البلدية. كما تلجأ مناطق أخرى مثل أستراليا ومنطقة البحر الكاريبي وكاليفورنيا إلى هذه التقنية لتعزيز إمدادات المياه لديها.
مع استمرار تدهور الأوضاع المناخية، ستزداد أهمية تقنيات التحلية، لكن النجاح في هذا المجال يتطلب توازناً بين الكفاءة الاقتصادية والاستدامة البيئية والأمن. إن الحلول المبتكرة مثل تلك التي تقدمها OceanWell قد تمثل خطوة نحو مستقبل أكثر استدامة لأزمة المياه العالمية.