تشهد الأرض اليوم تغيرات مناخية متسارعة، من أبرزها تراجع الأنهار الجليدية والصفائح الجليدية في كل من غرينلاند والقارة القطبية الجنوبية. ويأتي هذا التراجع نتيجة ارتفاع درجات الحرارة العالمية، مما يؤدي إلى تسارع ذوبان الجليد وارتفاع مستويات سطح البحر بمعدل لم يسبق له مثيل في العقود الأخيرة.

فقد أظهرت البيانات أن متوسط مستوى سطح البحر العالمي قد ارتفع لأكثر من 10 سنتيمترات خلال الثلاثين عاماً الماضية، مع تسارع ملحوظ في معدل الارتفاع. وتأتي هذه الظاهرة بنتائج كارثية على المجتمعات الساحلية، حيث تتزايد مخاطر العواصف المدمرة والفيضانات، فضلاً عن خسائر كبيرة في الأراضي والبنية التحتية.

وفي هذا السياق، أثارت تقارير حديثة حول عدم استقرار جليد نهر ثويتس الجليدي في القارة القطبية الجنوبية، المعروف باسم "جليد يوم القيامة"، قلق العلماء حول إمكانية تسارع انهياره وانعكاسه على ارتفاع مستوى سطح البحر. ورغم أن هذه التقارير سلطت الضوء على أهمية فهم آليات تدفق الجليد، إلا أن هناك العديد من العوامل التي لا تزال مجهولة، مما يعيق القدرة على التنبؤ الدقيق بمستقبل هذه الظاهرة.

كيف يتدفق الجليد؟

تتكون الصفائح الجليدية من طبقات جليدية تتراكم عبر آلاف السنين، حيث تضاف كميات جديدة من الجليد عبر تساقط الثلوج، بينما تفقد الكتلة عبر مجموعة من العمليات، بما في ذلك الذوبان السطحي، وتكسر الجبال الجليدية، وذوبان الجليد عند التلامس مع المحيطات.

ويتحرك الجليد تحت تأثير وزنه، وتختلف سرعة تدفقه بناءً على عدة عوامل، أبرزها مقاومة السطح الذي يتحرك عليه الجليد (مثلما لو كان الجليد متجمداً في قاعه أو متحركاً فوق صخور). كما تلعب لزوجة الجليد دوراً حاسماً في هذه العملية، حيث تعتمد لزوجته على درجة الحرارة وحجم البلورات واتجاهها، بالإضافة إلى وجود الشوائب داخل الجليد.

الأنيسوتروبيا: مفتاح فهم تدفق الجليد

تعد الأنيسوتروبيا، أو الاختلاف في الخصائص الفيزيائية حسب الاتجاه، من الظواهر الأساسية التي تؤثر على تدفق الجليد. فعلى سبيل المثال، يمكن أن تسهل خشونة السطح في اتجاه معين حركة الجليد، تماماً كما تسمح الأسطح المموجة للمعادن بانزلاق الثلوج بسهولة أكبر في اتجاه معين.

وتشمل مصادر الأنيسوتروبيا في الجليد عدة عوامل، منها:

  • بنية البلورات الجليدية (بالإنجليزية: Ice fabric): حيث يعاد توجيه البلورات الصغيرة أثناء تدفق الجليد، مما يؤثر على لزوجته وقدرته على التحرك.
  • الخصائص عند قاعدة الجليد (بالإنجليزية: Ice-bed interface): مثل خشونة السطح أو وجود مياه سائلة تسهل حركة الجليد.
  • السمات الداخلية للجليد (بالإنجليزية: Englacial properties): مثل وجود شقوق أو طبقات مختلفة تؤثر على استجابته للضغوط.

وقد أظهرت الدراسات الحديثة أن قياس هذه الخصائص المتغيرة حسب الاتجاه يعد أمراً حيوياً لفهم كيفية تأثير التغيرات في أطراف الصفائح الجليدية في غرينلاند والقارة القطبية الجنوبية على ارتفاع مستوى سطح البحر.

ثورة تكنولوجيا الرادار في رصد الجليد

أحدثت التطورات الحديثة في تكنولوجيا الرادار المت penetrating للجليد ثورة في كيفية رصد خصائص الجليد المتغيرة حسب الاتجاه. فمن خلال تحليل البيانات الرادارية، أصبح بإمكان العلماء الآن الكشف عن تفاصيل دقيقة حول بنية الجليد وديناميكيته، مما يفتح الباب أمام نماذج أكثر دقة للتنبؤ بتغيرات الكتلة الجليدية.

ويعد فهم الأنيسوتروبيا في الجليد خطوة أساسية نحو تحسين نماذج تغير المناخ، حيث يمكن من خلالها تقدير معدلات ذوبان الجليد وارتفاع مستوى سطح البحر بدقة أكبر. ومع استمرار تطور التكنولوجيا، من المتوقع أن تسهم هذه الاكتشافات في تطوير استراتيجيات أكثر فعالية للتخفيف من آثار التغير المناخي على المجتمعات الساحلية.

«إن فهم الأنيسوتروبيا في الجليد ليس مجرد مسألة علمية، بل هو necessity من أجل حماية مستقبل البشرية من آثار التغير المناخي.»

المصدر: Eos Science News