منذ عقود، ساد الاعتقاد بأن أدمغة إنسان نياندرتال تختلف اختلافاً جوهرياً عن أدمغة البشر المعاصرين، بناءً على الاختلافات الظاهرة في شكل الجماجم. فجماجم نياندرتال، على سبيل المثال، تتميز بانخفاضها وطولها مقارنة بجماجم البشر الحديث التي تميل إلى الاستدارة. لكن دراسة علمية حديثة كشفت أن هذه الاختلافات الخارجية لا تعكس بالضرورة الفروق الداخلية في بنية الدماغ أو حجمه.

قام باحثون بمقارنة صور الرنين المغناطيسي لأدمغة بشر معاصرين مع قوالب داخلية لأدمغة نياندرتال، مستخدمين في ذلك قوالب مصنوعة من داخل جماجم نياندرتال المتحجرة. وقد أظهرت النتائج أن التباين في حجم الدماغ بين البشر المعاصرين أنفسهم يفوق بكثير الفروق بين نياندرتال والبشر الذين عاشوا في العصر الجليدي.

وأكدت الدراسة أن حجم الدماغ لا يعد مؤشراً دقيقاً على القدرات المعرفية، مما يعني أن نياندرتال ربما كانوا أكثر شبهاً بالبشر المعاصرين من حيث القدرات العقلية مما كان يُعتقد سابقاً. وهذا يتفق مع الأدلة الأثرية التي تشير إلى أن نياندرتال كانوا قادرين على استخدام الأدوات، وإشعال النيران، وحتى ممارسة الطقوس الدينية.

أدمغة نياندرتال تقع ضمن نطاق أدمغة البشر المعاصرين

عندما تموت، تترك دماغك أثراً داخل جمجمتك. فإذا ما قام علماء الآثار في المستقبل بصنع قالب من داخل جمجمتك، فسيحصلون على نموذج راتنجي يعكس الشكل الخارجي لدماغك، المعروف باسم «القالب الداخلي» أو «الإندوكاست». وقد حدث هذا بشكل طبيعي منذ ملايين السنين، كما هو الحال مع قالب الإندوكاست الذي تشكل داخل جمجمة طفلAustralopithecus africanus قبل 2.8 مليون سنة، والذي تحول إلى نصف تمثال صخري ونصف بلورة لامعة.

على مدار سنوات، درس الباحثون قوالب الإندوكاست لجماجم نياندرتال، محاولين فهم أوجه التشابه والاختلاف بين أدمغتهم وأدمغة البشر المعاصرين. وقد أثار هذا النقاش جدلاً واسعاً في الأوساط العلمية، حيث ساد الاعتقاد بأن نياندرتال كانوا أقل ذكاءً أو قدرة على التكيف مقارنة بالبشر الحديثين.

لكن الدراسة الجديدة تدحض هذه الفرضية، مؤكدة أن أدمغة نياندرتال تقع ضمن النطاق الذي تسجله أدمغة البشر المعاصرين من حيث الحجم. وهذا يعني أن نياندرتال ربما كانوا قادرين على أداء المهام العقلية نفسها التي يؤديها البشر اليوم، بما في ذلك التفكير المجرد، والتعاون الاجتماعي، وحتى تطوير الثقافات المعقدة.

«لا يمكن الاعتماد على حجم الدماغ وحده لتقييم القدرات المعرفية. فالأدلة الأثرية تشير إلى أن نياندرتال كانوا أكثر ذكاءً وتكيفاً مما كنا نعتقد».
— الباحث الرئيسي في الدراسة

وتعزز هذه النتائج الفرضية القائلة بأن البشر المعاصرين لم يتفوقوا على نياندرتال بسبب ذكائهم أو قدرتهم على التكيف، بل ربما بسبب عوامل أخرى مثل التغيرات المناخية أو الصراعات البيئية أو حتى Luck الحظ في البقاء.

المصدر: Ars Technica