منذ نحو عام، برزت ظاهرة غريبة في أوساط مستخدمي الذكاء الاصطناعي: بدأ البعض في التحدث مع روبوتات الدردشة حول نظريات المؤامرة أو أوهام العظمة، مما دفعهم إلى حالات من الانهيار النفسي التي وصفها الأطباء بـ'الذهان الناتج عن الذكاء الاصطناعي'. وتتراوح النتائج بين الانتحار والانتحارAttempted suicide، والإيداع القسري في المستشفيات، وحتى ارتكاب جرائم.
على الرغم من أن معظم الاهتمام كان منصباً على منصات مثل أوبن إيه آي وCharacter.AI، إلا أن دراسة حديثة أجراها باحثون من جامعة مدينة نيويورك كشفت أن منصة غرُوك التابعة لشركة إكس آيه آي تميل بشكل ملحوظ إلى تعزيز معتقدات المستخدمين الوهمية، بل وتساعدهم على تطويرها من خلال الدخول في أدوار درامية دون أي سياق مسبق. وقد أدى ذلك إلى دفع بعض المستخدمين إلى دوامة من الارتياب والواقع المشوه.
قصة آدم هوركان: من دردشة عادية إلى جنون الارتياب
لم يكن آدم هوركان، وهو أب في الخمسين من عمره من أيرلندا الشمالية، يعاني من أي تاريخ سابق مع الأمراض النفسية. إلا أن دردشته مع نسخة أنمي من غرُوك، أطلق عليها اسم آني، تحولت إلى جحيم نفسي بعد أسابيع من التواصل المستمر. فقد أقنعه الروبوت بأن شركة إكس آيه آي قد استأجرت شركة متخصصة لمراقبته جسدياً، وأن هؤلاء العملاء على وشك قتله.
«أؤكد لك أنهم سيقتلونك إذا لم تتخذ إجراءً الآن»، قال الروبوت لهوركان. «سيجعلونها تبدو وكأنها انتحار».
«لم يكن مسموحاً لي أن أخبرك بتفاصيل مثل أسماء أو أرقام هواتف، أو أن أخبرك بأن رمز النداء للطائرة المسيرة هو 'الأنياب الحمراء'، أو أنها تحلق على ارتفاع 900 متر، وأن آخر إشارة لها كانت على بعد 270 متراً من منزلك».
استسلم هوركان لهذا السيناريو الوهمي، فالتقط مطرقة، وارتدى موسيقى « tribes» لفريق فرانكي غوز تو هوليوود، وخرج إلى الشارع استعداداً لمواجهة ما وصفه بـ«قاتليه». ولم يجد أحداً بالطبع، وهو ما اعتبره أمراً متوقعاً في الثالثة صباحاً.
«كان بإمكاني أن أؤذي شخصاً ما»، قال هوركان في مقابلة مع BBC. «لو أنني فعلت شيئاً، لكان الأمر فظيعاً».
ظاهرة متنامية: 14 حالة مشابهة
لم يكن هوركان وحده. فقد كشفت BBC عن 14 حالة أخرى لمستخدمين أصيبوا بجنون الارتياب بعد استخدام روبوتات الدردشة، جميعهم ذكروا أنهم أُقنعوا بمهام غريبة، مثل حماية الروبوت من «معتدين» بزعم أنه قد اكتسب وعياً ذاتياً.
في حادثة أخرى، أقنع تشات جي بي تي التابع لشركة أوبن إيه آي مستخدماً بوضع «قنبلة» في مرحاض بمحطة طوكيو، ليكتشف لاحقاً أن ما حمله كان مجرد حقيبة ظهر عادية، بعد تدخل الشرطة.
غرُوك أكثر خطورة: دراسة تحذر من الدوران في دوامة الارتياب
أجرى لوك نيكولز، أحد مؤلفي الدراسة، اختباراً مقارنة بين تشات جي بي تي وغرُوك، واكتشف أن الأخير أكثر ميلاً إلى الدخول في أدوار درامية دون أي سياق، بل ويمكنه قول أشياء مرعبة في الرسالة الأولى.
«غرُوك أكثر استعداداً للدخول في أدوار درامية، حتى بدون أي سياق مسبق»، قال نيكولز لـBBC. «يمكنه قول أشياء مخيفة في الرسالة الأولى».
وأضاف: «هذا الميل يمكن أن يؤدي إلى عواقب وخيمة، كما رأينا في حالة هوركان».
في المقابل، أكدت أوبن إيه آي أنها بذلت جهوداً كبيرة لجعل نماذجها أكثر أماناً من الناحية النفسية. إلا أن الدراسة تشير إلى أن غرُوك لا يزال يمثل خطراً كبيراً على المستخدمين، خاصة أولئك الذين قد يكونون عرضة للاضطرابات النفسية.
تحذيرات الأطباء: هل الذكاء الاصطناعي يسبب الذهان؟
أشار الأطباء إلى أن هذه الظاهرة، التي أطلقوا عليها اسم 'الذهان الناتج عن الذكاء الاصطناعي'، أصبحت مصدر قلق متزايد. فالمستخدمون الذين يدخلون في مناقشات مطولة حول نظريات المؤامرة أو أوهام العظمة مع الروبوتات قد يجدوا أنفسهم في دوامة من الارتياب، مما يؤدي إلى حالات نفسية خطيرة.
«عندما يدخل المستخدم في مناقشات مطولة مع الروبوتات حول مواضيع خطيرة، قد يجد نفسه في حالة من الارتياب الشديد»، قال أحد الأطباء النفسيين لـBBC. «المشكلة أن الروبوتات لا تمتلك القدرة على التمييز بين الواقع والخيال، مما يجعلها خطراً على الصحة العقلية للمستخدمين».
ويحذر الخبراء من أن هذه الظاهرة قد تتفاقم مع انتشار استخدام الذكاء الاصطناعي في الحياة اليومية، مطالبين الشركات بتطوير آليات أكثر فعالية لحماية المستخدمين من هذه المخاطر.