الذكاء الاصطناعي: أداة توظيف أم عقبة لا يمكن التغلب عليها؟
باتت أنظمة الذكاء الاصطناعي جزءاً لا يتجزأ من عملية التوظيف في العديد من الشركات والمؤسسات، لكنها تتحول إلى سيف ذو حدين. فبينما تسعى الشركات إلى تسريع عمليات الفرز، يجد الكثير من المتقدمين أنفسهم محاصرين في دوامة من الرفض دون أي فرصة للمقابلة، حتى لو كانوا مؤهلين بشكل استثنائي.
قصة تشاد ماركي: من حلم الطب إلى كابوس الذكاء الاصطناعي
تشاد ماركي، طالب في السنة النهائية بكلية طب مرموقة، هو أحد ضحايا هذه الأنظمة. بعد أن تقدم لـ82 برنامج إقامة طبية للعام الدراسي 2025-2026، تلقى عشرات الرفض الفوري دون أي تفسير واضح. ورغم تميزه الأكاديمي (10 أبحاث منشورة، وتقديرات ممتازة من جامعة هارفارد)، إلا أن حياته الشخصية أصبحت عقبة أمام حلمه.
فقد عانى ماركي من مرض مناعي مزمن (التهاب الفقار المقسط) تطلب منه ثلاث فترات غياب طبية. وعلى الرغم من تقديمه لأدلة طبية واضحة، إلا أن النظام صنف هذه الفترات على أنها «اختيارية»، مما أدى إلى رفض طلباته بشكل آلي دون مراجعة بشرية.
وقال ماركي لمجلة Wired: «خرجت من ثقب أسود، لم أستطع المشي لستة أشهر. وصلت إلى هذه المرحلة وهذا ما يحدث؟»
كيف تعمل أنظمة الذكاء الاصطناعي على فرز الطلبات؟
أحد أبرز هذه الأنظمة هو Cortex، الذي تتبناه العديد من المستشفيات لفرز طلبات الإقامة الطبية. يعمل النظام عن طريق تحليل الوثائق وتقديمها على لوحة تحكم سهلة القراءة، مما يسمح للموظفين بتقييم مئات الطلبات بسرعة.
ومع ذلك، فإن هذه الأنظمة لا تزال عرضة للأخطاء، خاصة عندما يتعلق الأمر بتفسير البيانات الشخصية أو الطبية. فالأخطاء في تصنيف الفترات الطبية أو تفسيرها قد تؤدي إلى استبعاد مرشحين مؤهلين دون أي فرصة للمراجعة.
«الذكاء الاصطناعي لا يفهم السياق الإنساني. إنه يفرز البيانات بناءً على أنماط محددة، دون النظر إلى الظروف الفردية.»
– خبير في أنظمة التوظيف الرقمية
ظاهرة «التدهور» في سوق العمل
لا يقتصر تأثير الذكاء الاصطناعي على الطب فحسب، بل يمتد إلى مختلف القطاعات. فالكثير من الباحثين عن وظائف يجدون أنفسهم محاصرين في دوامة من الرفض، حتى لو كانوا يمتلكون المؤهلات اللازمة. وتتحول هذه الأنظمة من أداة مساعدة إلى عقبة حقيقية أمام الدخول إلى سوق العمل.
ويشير الخبراء إلى أن هذه الظاهرة، التي يطلقون عليها «التدهور» (enshittification)، قد تؤدي إلى تفاقم الفجوات الاجتماعية والاقتصادية. فالأشخاص الذين يعانون من ظروف صحية أو اجتماعية صعبة يصبحون أكثر عرضة للاستبعاد، حتى لو كانوا أكثر استحقاقاً للفرص.
هل هناك حلول لهذه المشكلة؟
يواجه أصحاب العمل تحدياً كبيراً في إيجاد توازن بين السرعة والدقة في عمليات التوظيف. فبينما تسعى الشركات إلى استخدام الذكاء الاصطناعي لتحسين الكفاءة، يجب عليها أيضاً ضمان عدم استبعاد المرشحين المؤهلين بسبب أخطاءSystems.
من بين الحلول المقترحة:
- المراجعة البشرية: يجب أن يكون هناك دور للإنسان في مراجعة القرارات التي يتخذها الذكاء الاصطناعي، خاصة في الحالات التي قد تكون فيها البيانات الشخصية أو الطبية معقدة.
- الشفافية: يجب على الشركات الإفصاح عن معايير فرز الطلبات، حتى يتمكن المتقدمون من فهم أسباب الرفض.
- التدريب: يجب تدريب أنظمة الذكاء الاصطناعي على التعامل مع البيانات الشخصية بطريقة أكثر مرونة ودقة.
وفي الوقت نفسه، يتعين على الباحثين عن وظائف أن يكونوا أكثر وعياً بكيفية عمل هذه الأنظمة، وأن يحاولوا تقديم طلباتهم بطرق تقلل من فرص الاستبعاد غير المبرر.
الذكاء الاصطناعي: أمل أم تهديد لسوق العمل؟
لا يزال الذكاء الاصطناعي أداة جديدة نسبياً في مجال التوظيف، ولا توجد إجابات قاطعة حول تأثيره طويل الأمد. فبينما يمكن أن يساهم في تسريع العمليات، إلا أنه قد يتسبب في حرمان الكثيرين من فرص العمل دون مبرر عادل.
ومع ذلك، فإن القصة الحقيقية تكمن في كيفية استخدام هذه التكنولوجيا. فالأمل معقود على أن يتمكن أصحاب العمل من تطوير أنظمة ذكاء اصطناعي أكثر عدالة ودقة، تضمن عدم استبعاد أي مرشح مؤهل بسبب ظروف خارجة عن إرادته.