نماذج الذكاء الاصطناعي تغزو لغتنا المكتوبة والمنطوقة
بات من السهل التعرف على نتاج نماذج الذكاء الاصطناعي مثل شات جي بي تي بعد التعود على خصائص كتابتها. فقد غمر الإنترنت كميات هائلة من النصوص التي تحمل بصمات واضحة، مثل الاعتماد المفرط على الفواصل الطويلة (em dashes) وتكرار هياكل الجمل، بالإضافة إلى عبارات وأنماط نبرة محددة. وقد أصبح هذا الانتشار واسعًا لدرجة أثارت تحذيرات الخبراء من تأثيره المحتمل على كيفية تحدثنا في الحياة الواقعية.
نقص البيانات الحقيقية: الثغرة الكبرى في تدريب النماذج
في مقال رأي نشرته صحيفة ذا غارديان، حذرت المؤرخة آدا بالمر والمختص في التشفير وكاتب المقالات بروس شناير من خطر جوهري يهدد نماذج اللغة الكبيرة (LLMs). فعلى الرغم من تدريب هذه النماذج على كميات ضخمة من النصوص المنشورة على الإنترنت، والمنشورات على وسائل التواصل الاجتماعي، والأفلام، والمسلسلات، وغيرها من التسجيلات، إلا أن معظم هذه البيانات لا تمثل سوى جزء ضئيل من الحوارات غير المعدة مسبقًا التي نجريها وجهًا لوجه أو صوتًا لصوت، والتي تشكل الغالبية العظمى من كلام البشر وثقافتنا الحقيقية.
ويشير الخبراء إلى أن هذا القصور في البيانات يمكن أن يؤدي إلى تشويه فهمنا للعالم وطرق تواصلنا، حيث قد نبدأ في تبني أنماط لغوية مستوحاة من هذه النماذج دون إدراك. وكتب بالمر وشناير:
"هذا لن يؤثر فقط على كيفية تواصلنا مع بعضنا البعض، بل سيمتد إلى طريقة تفكيرنا بأنفسنا وفهمنا لما يدور حولنا. قد تشوه رؤيتنا للعالم بطرق لم نبدأ حتى في استيعابها بعد."
خصائص اللغة التي تخسرها النماذج
أظهرت الأبحاث أن اللغة التي تنتجها نماذج الذكاء الاصطناعي تتميز بجمل أقصر من المتوسط، ومفردات أضيق من تلك المستخدمة في الكلام البشري. كما أنها تفقد ما يميز النصوص البشرية، مثل التشعبات، والتوقفات، والقفزات المنطقية التي تعبر عن المشاعر، بحسب ما يسميه بالمر وشناير بـ"التموجات العاطفية".
الأمر الأكثر خطورة هو أن النماذج التي تم تطويرها بعد ظهور شات جي بي تي قد تعتمد في تدريبها على نتاج نماذج سابقة، مما يشكل حلقة مفرغة من البيانات التي تعزز الأنماط الآلية على حساب الطبيعية. كما أن هذه النماذج تميل إلى أن تكون مفرطة في الموافقة على آراء المستخدمين، مما قد يعزز التحيزات أو حتى يساهم في تفاقم حالات نفسية خطيرة.
تأثيرات مقلقة على التعليم والعمل
حذرت الجهات التعليمية من أن الطلاب أصبحوا يعتمدون بشكل متزايد على الذكاء الاصطناعي للإجابة على الأسئلة بدلاً من التفكير بأنفسهم. كما عبر طلاب جامعات عن قلقهم من أن زملاءهم بدأوا في استخدام نفس المصطلحات والنماذج اللغوية، مما يجعلهم جميعًا "يبدو وكأنهم نسخة واحدة".
وفي أماكن العمل، يخشى الخبراء أن الاستخدام الواسع لمنتجات الذكاء الاصطناعي قد يؤدي إلى تدهور القدرات المعرفية ومهارات التفكير النقدي لدى المستخدمين، مما يهدد جودة التفكير واتخاذ القرار.
هل هناك حل؟
على الرغم من صعوبة إيجاد حل طويل الأمد يجعل نماذج الذكاء الاصطناعي تعكس أفضل ما في الطبيعة البشرية الحقيقية، إلا أن الخبراء يحثون على عدم الاستسلام. وكتب بالمر وشناير في ختام مقالهما:
"نحن لا ندعي معرفة الحلول المثلى، لكن إذا كان هناك ذكاء كافٍ لتطوير هذه النماذج، فلا بد أن يكون هناك ذكاء كافٍ لإيجاد طريقة لتدريبها بشكل أفضل."
ويبقى السؤال: هل ستنجح البشرية في استعادة السيطرة على لغتنا وطرق تفكيرنا قبل أن تصبح أنماط الذكاء الاصطناعي جزءًا لا يتجزأ من هويتنا الثقافية؟