تشير الأبحاث الحديثة إلى وجود علاقة محتملة بين بعض اللقاحات الروتينية وانخفاض خطر الإصابة بالخرف. فقد ارتبطت تطعيمات مثل لقاح الإنفلونزا الموسمية، ولقاح فيروسRSV، ولقاح الكزاز والدفتيريا والسعال الديكي (Tdap)، ولقاح الالتهاب الرئوي، ولقاحي التهاب الكبد A وB، ولقاح التيفوئيد، بانخفاض احتمالات الإصابة بالخرف.

ومن بين هذه اللقاحات، برز لقاح الهربس النطاقي كأحد أقوى الروابط، مع استمرار تدفق البيانات الداعمة لهذه العلاقة. لكن مع تراكم الأدلة، يظل السؤال الأهم: كيف يمكن للقاحات التي تستهدف مسببات مرضية محددة أن تحمي في الوقت نفسه من تدهور القدرات العقلية؟

الفرضية المثيرة: مناعة مدربة

تطرح دراسة حديثة فرضية مذهلة قد تفسر هذه الظاهرة. إذ تشير إلى أن اللقاحات قد تحمي الدماغ من خلال تدريب جزء من جهاز المناعة كان يُعتقد سابقاً أنه غير قابل للتدريب. فإذا ثبتت صحة هذه الفرضية، فإنها لن تسهم فقط في فهم أعمق لآليات عمل جهاز المناعة، بل قد تفتح أيضاً أبواباً جديدة لعلاج أو الوقاية من الخرف.

ويعتمد هذا الفرض على مفهوم المناعة المدربة، وهو نظام مناعي يتذكر مسببات الأمراض السابقة ويستجيب لها بشكل أسرع وأكثر فعالية عند التعرض لها مجدداً. وعلى عكس المناعة التكيفية التقليدية، التي تستغرق أياماً أو أسابيع لتنشط، يمكن للمناعة المدربة أن تستجيب فوراً.

كيف تعمل اللقاحات على تعزيز المناعة المدربة؟

تعمل اللقاحات بشكل عام عن طريق تحفيز جهاز المناعة لمواجهة مسببات الأمراض المحددة. فإما أن تقدم اللقاحات مسببات مرضية مخففة أو أجزاء مميزة منها إلى خلايا مناعية متخصصة مثل الخلايا التائية (T cells) والخلايا البائية (B cells) المنتجة للأجسام المضادة، التي تتعلم بعد ذلك التعرف على هذه الميكروبات.

لكن الفرضية الجديدة تشير إلى أن بعض اللقاحات قد تحفز أيضاً خلايا مناعية أخرى، مثل الخلايا الأكولة الكبيرة (macrophages) والخلايا المتغصنة (dendritic cells)، مما يعزز مناعة الجسم ضد مجموعة واسعة من المسببات المرضية، بما في ذلك تلك التي قد تؤثر على الدماغ.

آفاق مستقبلية واعدة

إذا تأكدت هذه الفرضية، فإنها قد تؤدي إلى تطوير استراتيجيات جديدة للوقاية من الخرف وعلاجه. فبدلاً من التركيز فقط على مسببات الأمراض المحددة، قد نتمكن من تعزيز مناعة الجسم بشكل عام، مما يقلل من خطر الإصابة بالأمراض العصبية التنكسية.

كما أن هذه الفرضية تضيف بعداً جديداً لفوائد اللقاحات، التي لم تعد تقتصر على الوقاية من الأمراض المعدية، بل قد تمتد إلى حماية الدماغ من التدهور المعرفي. وهذا يعزز من أهمية التطعيمات الروتينية، ليس فقط لحماية الأفراد، بل أيضاً لتعزيز الصحة العامة على المدى الطويل.

المصدر: Ars Technica