في زيارة لروضة "التعلم من خلال اللعب" في حي برونكس، استقبل عمدة نيويورك زهران ممداني الأطفال بابتسامة عريضة، ليرسم بذلك صورة جديدة لقيادة سياسية تتفاعل مع المواطنين على أرض الواقع. وبعد 100 يوم من توليه المنصب، تبدو مؤشرات الأداء إيجابية، حيث حقق تقدماً في تنفيذ وعوده الانتخابية، وتغلب على تحديات كبرى مثل العواصف الشتوية التي ضربت المدينة. كما نجح في كسب احترام الرئيس الأمريكي دونالد ترامب، الذي لم يتوانَ عن الإشادة به مرتين.
لكن نجاح ممداني لا يقتصر على إدارة المدينة، بل يثير تساؤلات حول مستقبل الحزب الديمقراطي نفسه. فهل يمثل هذا العمدة الشاب نموذجاً للحزب في الانتخابات المقبلة؟ وهل يمكن تكرار تجربته خارج نيويورك أو على المستوى الوطني؟ والأهم، إلى أي مدى يستعد الحزب لسماع أصوات جديدة؟
ممداني والديمقراطيون: هل هو مستقبل الحزب؟
في حوار مع بن رودس، مساعد سابق للأمن القومي ومستشار مقرب للرئيس الأسبق باراك أوباما، ناقش شون راماسوارام، مقدم برنامج Today, Explained، الدروس التي يمكن للديمقراطيين استخلاصها من تجربة ممداني. وأشار رودس إلى وجود انقسامين رئيسيين داخل الحزب: الأول بين اليسار والوسط، والثاني يتعلق بالطريقة التي يتعامل بها السياسيون مع الواقع الحالي.
وقال رودس:
«هناك من يرون في ممداني فرصة حقيقية، شخصاً يمكن الاقتداء به، يمثل جيلاً جديداً يفهم ما يحدث، ويتعامل مع السياسة بطريقة مختلفة، لا يعيد تكرار Old Talking Points مراراً وتكراراً».
وأضاف:
«لكن هناك أيضاً ديمقراطيين يشعرون بالخوف من ممداني بسبب هذه الأمور. خذ مثلاً تشاك شومر، الذي يمثل المؤسسة الديمقراطية التقليدية، والذي لم يدعم ممداني رغم أنه من نيويورك. فهو متحفظ بشأن سياسات ممداني تجاه إسرائيل وفلسطين، كما أنه غير راغب في تسليم زمام الأمور لجيل جديد، مثلما رأينا مع جو بايدن في فترته الرئاسية».
ما الذي يميز ممداني عن غيره؟
يعود نجاح ممداني إلى عدة عوامل، أبرزها:
- الشفافية والتواصل المباشر: يتفاعل ممداني مع المواطنين بشكل يومي، سواء عبر وسائل التواصل الاجتماعي أو اللقاءات العامة، مما يعزز الثقة بينه وبين السكان.
- التركيز على القضايا المحلية: لم يقتصر على الوعود الانتخابية العامة، بل بدأ بتنفيذها فور وصوله إلى المنصب، مثل تحسين الخدمات في الأحياء الفقيرة.
- الجرأة في اتخاذ المواقف: لم يتردد في تبني مواقف جريئة تجاه قضايا مثل العدالة الاجتماعية، مما لاقى صدى لدى الشباب والناخبين التقدميين.
ويعتقد رودس أن الحزب الديمقراطي بحاجة إلى مراجعة استراتيجياته، خاصة في ظل التهديد الذي يمثله ترامب، الذي لا يزال يحظى بدعم واسع بين الناخبين الجمهوريين.
التحديات المقبلة: هل يمكن تكرار التجربة؟
على الرغم من نجاح ممداني في نيويورك، إلا أن هناك تساؤلات حول مدى إمكانية تكرار تجربته في ولايات أخرى أو على المستوى الوطني. فالمدينة تتمتع بخصوصية ثقافية وسياسية تجعلها بيئة مثالية لسياسات كهذه، بينما قد تواجه محاولات مماثلة في أماكن أخرى صعوبات أكبر.
ويرى الخبراء أن الحزب الديمقراطي بحاجة إلى:
- دعم المرشحين الشباب: تقديم فرص حقيقية للجيل الجديد من السياسيين، بدلاً من الاعتماد على الوجوه التقليدية.
- تبني قضايا اجتماعية ملحة: مثل العدالة الاقتصادية، وحقوق المهاجرين، والبيئة، التي تهم الناخبين الشباب.
- التواصل الفعال: استخدام وسائل التواصل الاجتماعي بشكل مبتكر، بعيداً عن الخطاب السياسي التقليدي.
ويختتم رودس حديثه قائلاً: «ممداني ليس مجرد ظاهرة محلية، بل هو مؤشر على ما يمكن أن يكون عليه الحزب الديمقراطي في المستقبل. لكن الأمر يتطلب شجاعة من قبل القادة الحاليين للتخلي عن السيطرة والاستماع إلى الأصوات الجديدة».