شهدت المحكمة العليا الأمريكية أمس جلسة استماع تاريخية استمرت نحو ساعتين ونصف، حيث ناقشت قضية تشاتري ضد الولايات المتحدة، التي تثير تساؤلات جوهرية حول حدود سلطات الشرطة في استخدام التكنولوجيا الحديثة لتحقيقاتها، وتهدد بذلك الحقوق الدستورية المتعلقة بالخصوصية الرقمية.

تركز القضية على أداة تُعرف باسم «أمر السياج الجغرافي» (Geofence Warrant)، والذي يسمح للشرطة بطلب بيانات الموقع من شركات مثل جوجل لتحديد هوية جميع مستخدمي الهواتف الذكية المتواجدين في منطقة محددة خلال فترة زمنية معينة. في هذه القضية، استخدمت الشرطة مثل هذا الأمر لتحديد هوية المتواجدين بالقرب من بنك وقت وقوع عملية سطو.

أكد محامي المتهم، أوكيلو تشاتري، أن استخدام مثل هذه الأوامر يشكل انتهاكًا واضحًا للدستور الأمريكي، خاصةً التعديل الرابع، الذي يحظر «الأوامر العامة» التي تسمح بعمليات تفتيش واسعة النطاق دون وجود سبب محتمل. وقال: «لم يكن هناك أي سبب محتمل للبحث في البيانات الشخصية لكل شخص داخل المنطقة الجغرافية، لمجرد وجوده بالقرب من مكان الجريمة».

من جانبها، دافعت الحكومة الفيدرالية عن استخدام هذه الأداة، مؤكدةً أن بيانات الموقع العامة التي يتفق المستخدمون على مشاركتها مع شركات التكنولوجيا لا تستحق نفس الحماية الدستورية مثل البيانات الخاصة. وقال إريك فيجين، نائب المدعي العام المساعد: «إذا تبنت المحكمة موقف تشاتري، فسيتحول التعديل الرابع إلى حصن منيع حول سجلات تحركات الأشخاص العامة التي وافقوا صراحةً على تسجيلها واستخدامها».

تساؤلات القضاة حول حدود السلطة الحكومية

أبدى عدد من القضاة، بما في ذلك القاضي كيتانجي براون جاكسون، قلقهم من أن يؤدي تبني موقف تشاتري إلى توسيع نطاق التعديل الرابع بشكل مفرط. وسألت جاكسون محامي الدفاع: «أرى أنك تقدم حججًا قصوى بشأن هذه القضية، لكنني أحاول فهم ما إذا كانت ضرورية للوصول إلى الهدف الذي تسعى إليه». كما تساءلت عما إذا كان من الأفضل أن تركز المحكمة على مدى معقولية الأمر الجغرافي المبدئي بدلاً من توسيع نطاق النزاع الدستوري.

من جهة أخرى، تعرض موقف الحكومة لانتقادات حادة من قبل بعض القضاة. فقد تساءل رئيس المحكمة العليا جون روبرتس عن إمكانية استخدام هذه الأداة لمراقبة المشاركين في فعاليات دينية أو سياسية، قائلاً: «ماذا يمنع الحكومة من استخدام هذه الأداة لمعرفة هوية جميع الأشخاص في كنيسة أو منظمة سياسية معينة؟». ورد فيجين قائلاً: «لا أعتقد أن هناك حماية دستورية категоورية تمنع مثل هذه المراقبة».

أعرب القاضي نيل غورسوتش عن استيائه من موقف الحكومة، قائلاً: «في رأيك، هل هناك أي حماية دستورية تمنع الحكومة من مراقبة جميع الأشخاص في مكان معين؟»

مستقبل الخصوصية الرقمية على المحك

تعد هذه القضية من أولى القضايا التي تتناول بشكل مباشر استخدام التكنولوجيا الحديثة في التحقيقات الجنائية، مما يضع المحكمة العليا أمام تحدٍ كبير يتمثل في تحديد مدى توافق هذه الأدوات مع الحقوق الدستورية للمواطنين. فإذا قررت المحكمة أن أوامر السياج الجغرافي تشكل انتهاكًا للتعديل الرابع، فقد يؤدي ذلك إلى فرض قيود صارمة على استخدام مثل هذه الأدوات في المستقبل. أما إذا أيدت موقف الحكومة، فقد تفتح الباب أمام توسيع سلطات الشرطة في استخدام البيانات الرقمية دون رقابة كافية.

من المتوقع أن تصدر المحكمة العليا قرارها في هذه القضية خلال الأشهر المقبلة، مما سيحدد مستقبل الخصوصية الرقمية في الولايات المتحدة.

المصدر: Reason