في فيلمه الجديد "قصص متوازية" (Histoires Parallèles)، يستكشف المخرج الإيراني الشهير أصغر فرهادي العلاقة المعقدة بين الخيال والواقع من خلال قصة تتشابك فيها حياة شخصيات مختلفة بفعل الفضول والتخمينات. ورغم التشابهات السطحية مع أفلام رائعة مثل أعمال ألفريد هيتشكوك، فرانسيس فورد كوبولا، وبرايان دي بالما، إلا أن فرهادي يقدم رؤية فريدة من نوعها حول كيف يمكن للخيال، عندما يتحول إلى كلمات وصوت، أن يغير مجرى الحياة الحقيقية.

قصة الفيلم: من الفضول إلى التأثير

تدور أحداث الفيلم حول سلفى (إيزابيل أوبير)، كاتبة منعزلة تعيش في منزل فوضوي، لكنها تجد في الفوضى مصدر إلهامها. من نافذة منزلها، تتجسس سلفى على ثلاثة مهندسي صوت يعيشون في المبنى المقابل: نيتا (فيرجينيا إيفيرا)، ثيو (بيير نيني)، ونيكولا (فينسنت كاسيل). تتخيل سلفى قصصاً عن حياتهم، فتصور أن نيتا وثيو في علاقة عاطفية، بينما تخون نيتا ثيو مع نيكولا، مما يهدد حياتهم المهنية والشخصية. وتتصاعد الأحداث عندما يبدأ آدم (آدم بسا)، الشاب الذي يساعد سلفى في ترتيب منزلها، في الانخراط في هذه القصص، مستخدماً المنظار للتجسس على الجيران، باحثاً عن أي دليل حقيقي يدعم تخمينات سلفى.

الشخصيات: بين الخيال والواقع

تمثل سلفى، التي تلعب دورها إيزابيل أوبير ببراعة، شخصية الكاتبة العجوز التي تجد في الفوضى مصدر إلهامها. ورغم أن منزلها يبدو فوضوياً، إلا أن عقلها منظم ومليء بالأفكار. أما آدم، الذي يلعب دوره آدم بسا، فهو الشاب الذي يجد نفسه مفتوناً بقصص سلفى، مما يدفعه إلى البحث عن الحقيقة وراء تخميناتها.

من ناحية أخرى، تمثل الشخصيات الأخرى في الفيلم، نيتا وثيو ونيكولا، الحياة الحقيقية التي تبدو أقل إثارة من الخيال. فنيتا، على سبيل المثال، ليست المرأة المثيرة التي تخيلتها سلفى، بل هي عاملة منهكة لا تجد وقتاً حتى لتناول الغداء خلال أيام عملها الشاقة. ورغم ذلك، فإن قوة الإسقاط والتخمين تلعب دوراً مهماً في حياة هذه الشخصيات، مما يدفع آدم إلى البحث عن الحقيقة وراء قصص سلفى.

أداء الممثلين: قوة التمثيل وعمق الشخصيات

يتميز الفيلم بأداء قوي من قبل طاقم الممثلين،特别是 إيزابيل أوبير التي تقدم شخصية سلفى ببراعة، مستخدمة أسلوبها المعروف في لعب دور النساء المتعجرفات والمثقفات. كما يظهر آدم بسا في دور آدم، الشاب الذي ينجذب إلى قصص سلفى، مما يدفعه إلى البحث عن الحقيقة وراء تخميناتها. أما فيرجينيا إيفيرا، بيير نيني، وفينسنت كاسيل، فيمثلون الشخصيات الأخرى في الفيلم، مما يضيف عمقاً للقصة.

نقاط القوة والضعف في الفيلم

يتميز الفيلم بعدة نقاط قوة، أهمها:

  • الأداء التمثيلي القوي: خاصة من قبل إيزابيل أوبير وآدم بسا، الذين يقدمون شخصيات معقدة ومثيرة للاهتمام.
  • الموضوعات العميقة: يتناول الفيلم موضوعات مثل الخيال والواقع، والتأثير الذي يمكن أن يحدثه الخيال في حياتنا الحقيقية.
  • الإخراج المبتكر: يستخدم فرهادي أسلوباً فريداً في استكشاف العلاقة بين الخيال والواقع، مما يجعل الفيلم مميزاً.

ومع ذلك، يعاني الفيلم من بعض نقاط الضعف، أهمها:

  • التكرار المفرط: يعاني الفيلم من تكرار بعض المشاهد والأفكار، مما يجعله يبدو أطول من اللازم ويقلل من تماسكه.
  • الوتيرة البطيئة: قد يجد بعض المشاهدين أن وتيرة الفيلم بطيئة جداً، مما يجعلهم يفقدون الاهتمام بالقصة.

الخلاصة: فيلم يستحق المشاهدة مع بعض التحفظات

بشكل عام، يعد فيلم "قصص متوازية" تجربة سينمائية فريدة من نوعها، حيث يستكشف أصغر فرهادي العلاقة المعقدة بين الخيال والواقع من خلال قصة مشوقة وأداء تمثيلي قوي. ورغم بعض نقاط الضعف، مثل التكرار المفرط والوتيرة البطيئة، إلا أن الفيلم يستحق المشاهدة لمحبي السينما الذين يبحثون عن أفلام تتناول موضوعات عميقة وأداء تمثيلي متميز.

المصدر: The Wrap