منذ عقود، تُروّج المناطق الزرقاء، وهي خمس مناطق في العالم تشتهر بارتفاع نسبة المعمرين فيها، بوصفها نماذج مثالية للحياة الصحية وطول العمر. إلا أن دراسة فرنسية حديثة، أطلق عليها اسم "AGENOMICS"، بدأت تشكك في هذه الفرضيات، مما أثار جدلاً واسعاً بين العلماء.

في عام 2022، أطلق عالم الوراثة الفرنسي جان-فرانسوا ديلوز دراسة AGENOMICS، بهدف تحليل الأنماط الجينية لـ1200 مواطن فرنسي تجاوزوا سن المائة. وكان هدفه الرئيسي مقارنة هذه الأنماط مع تلك الخاصة بسكان إحدى المناطق الزرقاء الخمس، مثل جزيرة أوكيناوا اليابانية أو سردينيا الإيطالية.

لكن بعد تحليل البيانات الأولية، بدأ ديلوز وزملاؤه في الشك في صحة الفرضيات التقليدية حول longevity. فبدلاً من العثور على أنماط جينية مشتركة بين المعمرين في فرنسا والمناطق الزرقاء، اكتشفت الدراسة وجود اختلافات كبيرة في التركيب الجيني بين المجموعتين.

وقال ديلوز في تصريح صحفي:

"كنا نتوقع أن نجد تشابهاً كبيراً في الجينات المرتبطة بطول العمر بين المعمرين في فرنسا والمناطق الزرقاء، لكن النتائج أظهرت العكس تماماً. هذا يعني أن العوامل البيئية والثقافية قد تلعب دوراً أكبر بكثير مما كنا نعتقد سابقاً."

وتأتي هذه النتائج في وقت تزداد فيه الشكوك حول صحة مفهوم "المناطق الزرقاء" نفسه. فمعظم هذه المناطق تقع في مناطق نائية، مما يجعل من الصعب جمع بيانات دقيقة حول أنماط الحياة الغذائية أو الاجتماعية لسكانها. كما أن العديد من الدراسات السابقة اعتمدت على تقارير غير رسمية أو بيانات غير مكتملة.

من جانبه، أشار د. أحمد الكيلاني، خبير في علم الشيخوخة بجامعة القاهرة، إلى أن العوامل البيئية مثل النظام الغذائي والنشاط البدني تلعب دوراً حاسماً في طول العمر، وليس الجينات وحدها. وقال:

"المناطق الزرقاء قد تكون مجرد استثناءات لا تعكس القاعدة العامة. فطول العمر يعتمد على مجموعة معقدة من العوامل، بما في ذلك النظام الغذائي، والنشاط البدني، والبيئة الاجتماعية."

وأضاف الكيلاني أن الدراسات الحديثة بدأت تركز أكثر على العوامل البيئية والثقافية بدلاً من الاعتماد فقط على الجينات. فمثلاً، نظام غذائي غني بالخضروات والفواكه، والمشاركة في أنشطة اجتماعية، قد يكون لهما تأثير أكبر من الجينات في تحديد طول العمر.

وفي ظل هذه النتائج الجديدة، بدأ العلماء في إعادة النظر في النظريات التقليدية حول longevity. فبدلاً من البحث عن أنماط جينية مشتركة، أصبح التركيز ينصب على دراسة العوامل البيئية والثقافية التي قد تساهم في زيادة متوسط العمر.

ويأمل ديلوز وزملاؤه في مواصلة أبحاثهم، بهدف تطوير نماذج أكثر دقة للتنبؤ بطول العمر، تعتمد على مزيج من العوامل الجينية والبيئية. وقال ديلوز:

"نأمل أن تساعدنا هذه الدراسة في فهم أفضل للعوامل التي تساهم في طول العمر، وليس فقط في المناطق الزرقاء، بل في جميع أنحاء العالم."

المصدر: STAT News