في مشهد لفت الأنظار، خاطب الملك تشارلز الثالث الكونغرس الأمريكي مؤخرًا، ليقدم درسًا في النضج المؤسسي مقارنة بما آلت إليه الديمقراطية الأمريكية تحت تأثير دونالد ترامب. وبينما كان الملك جالسًا خلف نائب الرئيس ورئيس مجلس النواب، برز مشهد مثير للقلق: كان السياسيون الأمريكيون يرتدون الزي الرسمي لـ"MAGA" (البدلات الزرقاء والسترات البيضاء والأحمر)، مما يعكس ولائهم المطلق لزعيمهم، وكأنهم أتباع في بلاط ملك.

هذا المشهد لم يكن مجرد صدفة، بل تجسد في تصرفات العديد من أعضاء الكونغرس الجمهوريين الذين تخلوا عن استقلاليتهم لصالح ترامب، وهو ما يتجاوز بكثير ما قد يراه أي عضو في البرلمان البريطاني تجاه الملك تشارلز. فبينما تحتفظ المؤسسات البريطانية باحترامها وتوازنها، يبدو أن العديد من السياسيين الأمريكيين قد تحولوا إلى أتباع مخلصين لزعيمهم، متخلين عن كرامتهم واستقلاليتهم.

لم يقتصر الأمر على المظهر الخارجي، بل تجلى في كل كلمة وكل تصرف. فترامب، الذي يسعى جاهدًا لتحقيق السلطة المطلقة، لم يكتفِ بالسعي ليصبح ملكًا بل يطمح لأن يكون إمبراطورًا إلهيًا. من الأعلام الضخمة التي تزين المباني الرسمية، إلى إعادة تسمية مراكز ثقافية مثل معهد كينيدي للسلام، وصولًا إلى العملات المعدنية الجديدة والمشاريع المعمارية الفخمة مثل قاعة ترامب الفخمة وبركة الانعكاس التي تشبه شمال مار-a-لاغو، كل ذلك يعكس طموحه لتحويل الولايات المتحدة إلى نسخة من إمبراطوريته الشخصية.

ولم يتوقف الأمر عند هذا الحد، بل تعداه إلى تجاوز الكونغرس، ورفض أوامر المحكمة، واتخاذ قرارات حرب أحادية الجانب، ومحاولة ملاحقة منتقديه جنائيًا. كل هذه الأفعال تتناقض تمامًا مع القيم الأمريكية، خاصة وأن الحزب الذي يتبنى هذه الأفعال يدعي الدفاع عن الوطنية والرموز الوطنية.

في المقابل، واجه الملك تشارلز الثالث تحديًا دبلوماسيًا دقيقًا. فالحكومة البريطانية وحلفاء أوروبا الآخرين يشعرون بالقلق الشديد إزاء تصرفات ترامب التي تهدد العلاقات عبر الأطلسية. وبينما تحاول الدول الأوروبية التعامل مع ترامب من خلال التنازلات أو المديح أو الحزم، يبرز الملك تشارلز كرمز للنضج والاستقرار، في الوقت الذي تتساءل فيه بريطانيا عن مدى جدوى العلاقة "الخاصة" مع الولايات المتحدة.

ففي الوقت الذي يلقي فيه ترامب بظلاله على الديمقراطية الأمريكية، يبرز الملك تشارلز كرمز للنضج السياسي، مما يثير تساؤلات حول مستقبل النظام الديمقراطي في الولايات المتحدة.

المصدر: The Bulwark