شهد مؤتمر المهرجان الدولي للصحافة في بيروجيا بإيطاليا، والذي ضم أكثر من 2000 صحفي ومتحدثين بارزين، مناقشات حامية حول مستقبل المهنة في ظل التحولات التكنولوجية والاقتصادية. وكان من أبرز الجلسات التي حضرتها، جلسة حول كيفية تطور تدريب الصحفيين مع دخول الذكاء الاصطناعي في أداء المهام الأساسية.
خلال أربعة أيام من النقاشات، برزت خمس أفكار رئيسية ستعيد تشكيل الصحافة لتكون أكثر إنسانية واستدامة وابتكاراً، حتى في ظل تراجع القطاع. وفيما يلي أبرز هذه الأفكار:
الصحافة الحية: عودة القصص الإنسانية إلى المسرح
أصبحت الصحافة الحية من أبرز الظواهر التي تعيد الثقة بين الصحفيين وجماهيرهم. فبدلاً من الاعتماد على التقارير المسجلة، أصبحت بعض المؤسسات تعرض قصصاً حقيقية على خشبة المسرح، دون تسجيلات مسبقة، مما يمنحها طابعاً إنسانياً فريداً.
من أبرز هذه المبادرات Diario Vivo الإسباني، الذي يجمع بين الصحفيين وعامة الناس لرواية قصص شخصية مباشرة أمام الجمهور. لا يعرف الحضور مسبقاً القصص التي سيشاهدونها، مما يضفي عنصر المفاجأة والتشويق. وتقول مؤسسة المبادرة، فانيسا روسيلو، إن الهدف هو جعل الناس يضحكون ويبكون معاً، واستعادة الثقة المفقودة بين الصحفيين والمجتمع.
منذ انطلاقتها عام 2017، توسعت المبادرة من 100 متفرج إلى قاعات تتسع لألف شخص، ووصلت إلى أكثر من 25 ألف مشاهد في مختلف المدن الأوروبية. كما تسعى Correctiv الألمانية، وهي غرفة أخبار غير ربحية، إلى تحويل تقاريرها الاستقصائية إلى عروض مسرحية يؤديها ممثلون محترفون. ويقول رئيس التحرير جان بيترز إن المبادرة تسعى لبناء شبكة تضم أكثر من 50 مسرحاً أوروبياً لعرض هذه الأعمال، التي تقدر قيمة كل عرض منها بـ«3.6 مليون ثانية على تيك توك، لكن بتأثير أكبر بكثير».
وتأتي هذه المبادرات في ظل تراجع Pop-Up Magazine، الذي كان رائداً في هذا المجال منذ عام 2009، لكنه أغلق أبوابه عام 2023 بسبب تداعيات جائحة كورونا.
نماذج مالية مستدامة: كيف تزدهر المؤسسات غير الربحية؟
شهدت الجلسة الخاصة بالمؤسسات غير الربحية، التي شارك فيها قادة من أبرز هذه المؤسسات، مناقشات حول استراتيجيات التمويل الناجحة التي تعتمدها هذه المؤسسات لتجاوز التحديات المالية.
ProPublica، التي تعتمد على 90 ألف متبرع فردي، لا تعتمد على أي جهة مانحة واحدة، مما يضمن استقرارها المالي. كما تتعاون مع مئات الناشرين، من نيويورك تايمز إلى NPR، وتعمل حالياً على تطوير شبكة محلية للتقارير الإخبارية.
أما The 19th، فقد تمكنت مؤسستها ورئيستها التنفيذية إميلي رامشو من جمع 30 مليون دولار في ستة أشهر فقط، من خلال إرسال 100 رسالة أسبوعياً إلى الأثرياء، مستهدفة جهات مانحة غير تقليدية مثل داعمي حقوق المرأة. وتخطط لجمع ما بين 100 إلى 200 مليون دولار لتأمين استدامتها طويلة الأمد. وتقول رامشو إن استثمارها في حسابها على إنستغرام بمبلغ 75 دولاراً وحسابها على لينكدإن برو بمبلغ 1000 دولار كانا من أفضل الاستثمارات التي قامت بها لجذب المتبرعين.
من جانبها، دمجت مركز التقارير الاستقصائية مع مجلة Mother Jones لتوسيع نطاق عملها من الأفلام الوثائقية والبودكاست إلى منصات رقمية متنوعة. ويقول الرئيس التنفيذي مونيكا باورلين: «تخلصوا من ارتباطكم بالطرق القديمة في العمل».
أما MLK50 في ممفيس، فتعتمد على شعار «العدالة من خلال الصحافة»، وتعمل على تغطية القضايا الاجتماعية والاقتصادية من منظور محلي.
دروس مستفادة: كيف يمكن للصحافة التكيف مع التحديات؟
- التحول الرقمي: يجب على المؤسسات الإعلامية تبني التكنولوجيا الجديدة، مثل الذكاء الاصطناعي، لتحسين الكفاءة دون التضحية بالجودة الإنسانية.
- التنوع في مصادر التمويل: الاعتماد على مجموعة متنوعة من المتبرعين والمؤسسات يضمن الاستقرار المالي.
- الشراكات الاستراتيجية: التعاون مع مؤسسات إعلامية أخرى، سواء ربحية أو غير ربحية، يعزز من الوصول إلى الجماهير.
- التركيز على القصص المحلية: تغطية القضايا المحلية بعمق يضمن ولاء الجمهور ويجذب المتبرعين.
- الابتكار في طرق التوزيع: استخدام منصات جديدة مثل المسرح والمهرجانات الحية يمكن أن يعيد تعريف العلاقة بين الصحفيين وجماهيرهم.
«الصحافة ليست مجرد مهنة، بل هي خدمة للمجتمع. ويجب علينا أن نبتكر طرقاً جديدة للحفاظ على هذه الخدمة في ظل التحديات المتزايدة».
فانيسا روسيلو، مؤسسة Diario Vivo