في ظل التطور التكنولوجي المتسارع، لم تعد جريمة الإنترنت بمنأى عن تأثير الذكاء الاصطناعي. فقد كشفت دراسة حديثة، لم تخضع بعد لمراجعة الأقران، عن حالة من الاستياء بين بعض المجرمين الإلكترونيين تجاه استخدام الذكاء الاصطناعي في منتدياتهم المخصصة للأنشطة غير القانونية.

الدراسة، التي نقلتها مجلة Wired، تشير إلى أن استخدام الذكاء الاصطناعي في هذه الأوساط لا يزال محدوداً، ولا يشكل تحولاً جوهرياً في عالم الجرائم الإلكترونية، على عكس التحذيرات المتزايدة من انتشار عمليات الاحتيال والنصب بفضل هذه التكنولوجيا.

الذكاء الاصطناعي في الأوساط الإجرامية: استخدام محدود وغير مؤثر

أوضح الباحثون أن الشركات الإجرامية الكبرى، التي تعمل على نطاق واسع، تستخدم الذكاء الاصطناعي في مهام روتينية مثل فحص الأخطاء أو البحث عن حلول برمجية عبر جوجل. أما بالنسبة للعمليات الصغيرة، التي يديرها مجرمون إلكترونيون ذوو مهارات منخفضة، فقد لوحظت حالة من الاستياء المتزايد تجاه استخدام الذكاء الاصطناعي لأي غرض.

بدلاً من ذلك، يفضل هؤلاء المجرمون الاعتماد على العلاقات الاجتماعية التقليدية والنصوص البرمجية القديمة في تنفيذ عملياتهم. وقال بن كولير، الباحث في الأمن السيبراني والمحاضر بجامعة إدنبرة، لمجلة Wired: "الناس لا يحبون ذلك". كولير، الذي شارك في إعداد الدراسة، أشار إلى أن القراصنة منخفضي المستوى، الذين يتواصلون عبر منتديات مخفية على شبكة تور (المعروفة俗称 "الويب المظلم")، ما زالوا يقدّرون التفاعلات البشرية والاجتماعية أكثر من أي شيء آخر.

"هذه مساحات اجتماعية في الأساس. إنهم يكرهون بشدة استخدام الآخرين للذكاء الاصطناعي في هذه المنتديات. أعتقد أن الكثير منهم يشعرون بالقلق لأن استخدام الذكاء الاصطناعي يقلل من ادعائهم بأنهم أشخاص ذوو مهارات عالية."

بن كولير, باحث في الأمن السيبراني، جامعة إدنبرة

الانتقادات تتزايد: "توقفوا عن نشر هراء الذكاء الاصطناعي"

عند مراجعة المنشورات على منتدى Hack Forums، أحد أقدم منتديات القراصنة التي تأسست عام 2007، وجد الباحثون العديد من التعليقات الساخرة والاستنكار تجاه استخدام الذكاء الاصطناعي. فكتب أحد المستخدمين: "توقفوا عن نشر هراء الذكاء الاصطناعي".

كما أشار آخرون إلى أهمية الجانب الاجتماعي في هذه المنتديات، معتبرين أن استخدام الذكاء الاصطناعي يهدد الغرض الأساسي منها. وقال مستخدم مجهول في إحدى المنشورات التي استشهدت بها الدراسة: "إذا أردت التحدث إلى دردشة ذكاء اصطناعي، فهناك العديد من المواقع التي يمكنني القيام بذلك فيها، لكن هذا ليس سبب مجيئي إلى هنا. جئت من أجل التفاعل البشري".

وأضاف: "المنتديات بطبيعتها إنسانية. إدخال ردود من الذكاء الاصطناعي أو أي محتوى مولّد يدمر الغرض الكامل من زيارة هذه المنتديات أو الحفاظ عليها".

عدم الثقة في مخرجات الذكاء الاصطناعي

إلى جانب الجانب الاجتماعي، لوحظ عدم ثقة كبير في مخرجات الذكاء الاصطناعي بين هؤلاء المجرمين. وقال أحد المستخدمين في عام 2025: "أعتقد أن الذكاء الاصطناعي ليس جيداً بما يكفي للتعامل مع حجم الكود الذي أتعامل معه وأطلب منه تطويره. يمكنه القيام بالأساسيات بشكل جيد، لكنني لن أثق بأي شيء يتجاوز إشرافاتي الشخصية، ولن أقوم بنسخ ولصق أي شيء منه".

ومع ذلك، لا تزال هناك بعض الحالات التي يشيد فيها المجرمون باستخدام الذكاء الاصطناعي، خاصة في مخططات "الثروة السريعة" السلبية مثل نشر رسائل البريد العشوائي لتحسين محركات البحث (SEO) باستخدام الذكاء الاصطناعي.

الذكاء الاصطناعي: أداة مزدوجة الاستخدام في عالم الجريمة الإلكترونية

على الرغم من الاستياء من استخدام الذكاء الاصطناعي في المنتديات الإجرامية، إلا أن الدراسة تؤكد أن استخدامه لا يزال منتشراً بين بعض فئات المجرمين الإلكترونيين. في الوقت نفسه، لا يزال كبار المجرمين يعتمدون على الذكاء الاصطناعي في مهام بسيطة، بينما يفضل آخرون الاعتماد على المهارات البشرية والتقنيات التقليدية.

ويشير الباحثون إلى أن هذه الظاهرة تعكس حالة من التوتر بين التقدم التكنولوجي والمهارات البشرية في عالم الجريمة الإلكترونية، حيث لا يزال بعض المجرمين يرفضون تبني التكنولوجيا الجديدة خوفاً من فقدان هويتهم المهنية أو الاجتماعية.

المصدر: Futurism