منذ عقود طويلة، يشكل الكحول أحد أشد المخدرات تدميراً للصحة العامة في الولايات المتحدة، إلا أنه لا يزال يُنظر إليه على أنه جزء طبيعي من الحياة الاجتماعية والثقافية. فبينما يستمتع ملايين الأمريكيين بتناوله دون أضرار، تتزايد الأدلة العلمية التي تربط استهلاكه المفرط بسرطانات القلب، والأمراض الدماغية، والعنف المسلح، والإصابات، والوفيات المبكرة.
وتشير أحدث الدراسات إلى أن الكحول يقتل ما يقرب من 500 أمريكي يومياً، متجاوزاً بذلك عدد الوفيات الناجمة عن جميع الأمراض المعدية مجتمعة في العام الواحد. ورغم هذه الأرقام المقلقة، لا تزال الحكومات المتعاقبة تتعامل مع هذه الأزمة باعتبارها أمراً عادياً، بدلاً من اعتباره حالة طوارئ صحية عامة.
في السنوات الأخيرة، شهدت الولايات المتحدة ارتفاعاً حاداً في الأضرار الناجمة عن الكحول، خاصة بين كبار السن والنساء والشباب. فقد تضاعفت الزيارات الطارئة المتعلقة بالكحول تقريباً بين عامي 2003 و2022، كما ارتفعت معدلات الوفيات المرتبطة بأمراض الكبد بشكل ملحوظ.
تقول الدكتورة جيني ويلسون، طبيبة الطوارئ في رينو بولاية نيفادا: «الكحول سم قاتل،無論 كان ذلك بشكل حاد أو مزمن. فكل يوم، نتعامل مع عشرات الحالات الناجمة عن استهلاكه المفرط». وتضيف: «المشكلة لا تقتصر على المدمنين فحسب، بل تمتد لتشمل جميع من يتعرضون لأضراره، سواء بشكل مباشر أو غير مباشر».
إخفاق تاريخي: فشل الأنظمة الصحية والحكومية في مواجهة الأزمة
كشفت تحقيقات STAT أن أزمة الكحول في الولايات المتحدة هي نتاج فشل متكرر على عدة مستويات: الأنظمة الصحية، والقطاع الصناعي، والحكومات المتعاقبة. ورغم أن التكاليف الاقتصادية لاستهلاك الكحول المفرط تتجاوز 240 مليار دولار سنوياً - أي أكثر من إجمالي ديون الأمريكيين الطبية مجتمعة - إلا أن الحكومات لم تتخذ خطوات جادة للحد من انتشاره.
على مدار العقود الماضية، ركزت الإدارات الرئاسية المتعاقبة على مكافحة المخدرات غير المشروعة مثل الكوكايين والهيروين، في حين ظلت قضية الكحول خارج دائرة الاهتمام. وحتى المبادرات الصحية، مثل حملة «قل لا» في عهد ريغان أو سياسة المخدرات في عهد أوباما، لم تشمل الكحول ضمن أولوياتها.
في يناير 2025، أصدرت إدارة الرئيس السابق بايدن تقريراً يحذر من relação الكحول بالإصابة بالسرطان، لكن إدارة ترامب الحالية عادت إلى سياساتها السابقة، متجاهلة هذه التحذيرات. ورغم أن الرئيس ترامب نفسه فقد شقيقه الأكبر بسبب إدمان الكحول، إلا أن إدارته لم تتخذ أي خطوات ملموسة للحد من انتشاره.
فرصة ضائعة: لماذا تتجاهل الحكومات خطر الكحول؟
يعتبر الكحول من أكثر الموادMind-altering شيوعاً في الولايات المتحدة، إلا أن قبوله الاجتماعي الواسع يجعل من الصعب اعتباره تهديداً صحياً خطيراً. فبينما تخضع السجائر والعديد من المنتجات الأخرى للضرائب والقيود، لا تزال صناعة الكحول تتمتع بامتيازات واسعة، بما في ذلك انخفاض الضرائب النسبية وغياب القيود المفروضة على الإعلانات والتسويق.
ويشير الخبراء إلى أن هناك عدة أسباب وراء هذا الإهمال:
- القبول الاجتماعي: يعتبر الكحول جزءاً من التقاليد الثقافية الأمريكية، مما يجعل من الصعب فرض قيود صارمة عليه.
- الضغوط الاقتصادية: تسهم صناعة الكحول في خلق ملايين الوظائف وتدر مليارات الدولارات من الضرائب، مما يجعل الحكومات تتجنب اتخاذ إجراءات قد تؤثر على هذه المزايا.
- غياب الوعي: على الرغم من الأدلة العلمية، لا يزال الكثيرون ينظرون إلى الكحول على أنه مادة آمنة نسبياً مقارنة بالمخدرات الأخرى.
ويخلص الخبراء إلى أن مواجهة أزمة الكحول تتطلب جهوداً مشتركة بين الحكومات، والقطاع الصحي، والمجتمع المدني. فبدون اتخاذ خطوات جادة، ستستمر الأرقام المقلقة في الارتفاع، مما يهدد بزيادة الأعباء الصحية والاقتصادية على المدى الطويل.