منذ أيام قليلة، خرج الرئيس الأمريكي دونالد ترامب من فوضى محاولة الاغتيال التي تعرضت لها فعاليات عشاء مراسلي البيت الأبيض، ليُعلن عن مطلبين رئيسيين: الأول، استئناف بناء قاعة راقصات عسكرية فخمة، والثاني، فصل المذيع جيمي كimmel من قناة ABC بسبب نكتة اعتبرها مهينة للسيدة الأولى السابقة ميلانيا ترامب.

قبل أيام من الحدث، وصف كimmel ميلانيا ترامب بأنها تبدو «ببريق أرملة تنتظر مولودها»، مما أثار غضب ترامب. وعلى عكس سبتمبر الماضي، حين استجابت ABC ووالدتها شركة ديزني بسرعة لفصل كimmel بعد اعتراض رئيس لجنة الاتصالات الفيدرالية على تعليق حول اغتيال شخص سياسي، يبدو أن الموقف قد تغير تماماً هذا العام. فبدلاً من الاستجابة الفورية، اكتفت ديزني بالإشارة إلى أن الحادثة قيد المناقشة، مما يوضح أن الظروف التي كانت ستؤدي إلى فصل كimmel لم تعد قائمة.

فلماذا هذا التحول؟ يبدو أن العديد من الشركات، بما في ذلك ديزني وABC، قد استوعبت درساً مهماً خلال العام الماضي: شكاوى ترامب متقلبة لدرجة أن تجاهلها أصبح الخيار الأسهل في كثير من الأحيان.

موجة الاستسلام التي أعقبت عودة ترامب

عندما عاد ترامب إلى البيت الأبيض في عام 2025، بعد فوز انتخابي بدا مستحيلاً قبل سنوات قليلة، تعاملت العديد من الشركات كما لو أن انتخابه قد غير ثقافة الولايات المتحدة إلى الأبد. فبعض الشركات، مثل أمازون وميتا، تحركت بسرعة لتقديم تنازلات كبيرة، مثل خفض برامج التنوع والشمول، والتبرع لصندوق تنصيب ترامب، بل وخصصت أمازون 40 مليون دولار لإنتاج فيلم وثائقي عن السيدة الأولى.

أما الشركات الأخرى، فقد استسلمت ببساطة. ففي ديسمبر 2024، settlementت شركة ABC تسوية بقيمة 15 مليون دولار مع ترامب بعد أن زعم جورج ستيفانوبولوس، مقدم برنامج «هذا الأسبوع»، في مقابلة أن ترامب قد أدين بالاغتصاب في قضية مدنية (في الواقع، أدين ترامب بالاعتداء الجنسي والتشهير، وليس الاغتصاب). في عصر آخر، كان من المرجح أن تستمر المعركة القانونية لسنوات، لكن في هذه الحالة، تم تسوية الأمر بسرعة.

لم يكن الاستسلام مقتصراً على وسائل الإعلام. فقد استخدم ترامب أساليب قانونية甚至 أوامر تنفيذية لفرض نفوذه على مكاتب المحاماة والجامعات التي لم ترضه. فالمحامون في مكتب بول ويس، الذين مثلوا ديمقراطيين بارزين أو عملوا في قضايا تتعلق بمحاولة اقتحام الكونغرس في 6 يناير، تعرضوا لانتقام مباشر، مثل إلغاء تصاريح الأمن وحرمانهم من الوصول إلى المباني الفيدرالية. أما الجامعات التي اتهمت بممارسة التحيز ضد اليهود أو المحافظين، فقد تم تجميد تمويلها الفيدرالي أو إلغاؤه، مع تهديدها بفقدان وضعها الضريبي المفضل إذا لم تقدم تنازلات.

في معظم الحالات، استسلمت الجهات المستهدفة بسرعة. ففي النهاية، تسعة من كل عشرة مؤسسات استجابت لمطالب ترامب، إما عن طيب خاطر أو خوفاً من العقوبات.

لماذا لم تعد الشركات تخشى ترامب؟

هذا التحول في سلوك الشركات يعكس تغييراً أوسع في المشهد السياسي الأمريكي. فبعد سنوات من الهيمنة الإعلامية والسياسية، أصبح ترامب أقل تهديداً مما كان عليه من قبل. فالمحاكم بدأت ترفض بعض مطالبه، والمجتمع المدني أصبح أكثر مقاومة للاستسلام لتهديداته. كما أن ترامب نفسه، على الرغم من سلطته، لم يعد يتمتع بنفس القدرة على فرض إرادته كما كان في السابق.

في الوقت نفسه، أصبحت الشركات أكثر وعياً بأن الاستسلام المفرط قد يضر بسمعتها في الأوساط الليبرالية، التي لا تزال تشكل جزءاً كبيراً من قاعدة عملائها. لذا، فإن العديد من الشركات، مثل ديزني، بدأت تتبنى استراتيجية «التجاهل الاستراتيجي»، بدلاً من الاستجابة الفورية لكل مطالبه.

ومع ذلك، لا يزال ترامب قادراً على فرض نفوذه في بعض المجالات، خاصة في القضايا القانونية والسياسية. فالمحاكم، على سبيل المثال، لا تزال تتعامل بحذر مع مطالبه، خوفاً من أن تؤدي إلى سابقة قانونية خطيرة. أما الكونغرس، الذي يسيطر عليه الجمهوريون، فقد أصبح أكثر استعداداً لدعم ترامب في مواجهاته مع المؤسسات الأخرى.

«ترامب لم يعد قادراً على فرض إرادته كما كان في السابق، لكن ذلك لا يعني أنه فقد كل سلطته. فالمؤسسات التي تستسلم له تفعل ذلك لأنها تخشى من عواقب أكبر إذا لم تفعل.» خبير سياسي أمريكي

مستقبل العلاقات بين ترامب والشركات الكبرى

من الواضح أن العلاقات بين ترامب والشركات الكبرى قد دخلت مرحلة جديدة. فبعد سنوات من الهيمنة، أصبح ترامب أقل تهديداً، لكن ذلك لا يعني أن الشركات ستتوقف عن مراقبته عن كثب. فالمطالب القانونية والسياسية لا تزال تشكل خطراً كبيراً، خاصة في ظل بيئة سياسية متقلبة.

في الوقت نفسه، بدأت بعض الشركات في إعادة تقييم استراتيجياتها. فبينما واصلت أمازون وميتا تقديم تنازلات كبيرة، بدأت شركات أخرى، مثل ديزني، في تبني نهج أكثر توازناً، يجمع بين الاستسلام في بعض القضايا والتحدي في أخرى.

ومع ذلك، يبقى السؤال الأهم: هل ستستمر هذه الاستراتيجية في المستقبل؟ أم أن ترامب، الذي لم يعتاد على الرفض، سيجد طريقة جديدة لفرض إرادته؟ الوقت وحده سيجيب عن هذا السؤال.

المصدر: Fast Company