ذوبان الجليد يغير كيمياء المحيطات الساحلية في جرينلاند
عندما نفكر في آثار ذوبان الأنهار الجليدية، يتبادر إلى أذهاننا ارتفاع منسوب مياه البحر وتراجع الأنهار الجليدية. لكن في سواحل جرينلاند، تحدث تحولات أكثر هدوءاً، تؤثر على كيفية تنفس المحيطات وردود أفعالها تجاه التغيرات البيئية. ففي مضيق يونغ سوند، وهو خليج عميق في شمال شرق جرينلاند النائي، كشفت عقود من المراقبة أن المياه الذائبة من الأنهار الجليدية لا تخفف ملوحة مياه البحر فحسب، بل تضعف أيضاً قدرتها الطبيعية على مقاومة التغيرات في الحموضة.
تعمل هذه القدرة الطبيعية، المعروفة باسم القدرة العازلة، على الحفاظ على توازن الأس الهيدروجيني لمياه البحر. ومع فقدان هذه القدرة بسبب تدفق المياه العذبة، تصبح المياه الساحلية أكثر حساسية حتى للتغيرات البيولوجية والبيئية الطفيفة.
العلماء يحذرون: المحيطات الساحلية في مواجهة تغير المناخ
تسارع الاحتباس الحراري في القطب الشمالي، مما يؤدي إلى فصول ذوبان أطول وزيادة في تدفق المياه العذبة. والنتيجة هي محيط ساحلي أصبح بمثابة خط دفاع أول أمام تغير المناخ، بالإضافة إلى كونه مختبراً لفهم كيفية تغير كيمياء المحيطات بطرق غير متوقعة.
كيف تحمي المحيطات نفسها من الحموضة؟
تمتلك مياه البحر آلية طبيعية لحماية نفسها من التغيرات المفاجئة في الحموضة، بفضل أيونات ذائبة تعمل كممتصات للصدمات الكيميائية. تمتص المحيطات العالمية ما يقرب من ربع انبعاثات ثاني أكسيد الكربون سنوياً، مما يساعد على تباطؤ تغير المناخ، لكن بثمن باهظ يتمثل في زيادة حموضة المياه.
لحسن الحظ، تحتوي مياه البحر على أيونات سالبة الشحنة مثل الكربونات والبيكربونات والهيدروكسيد، التي تعمل على استقرار الأس الهيدروجيني. هذه الأيونات، المعروفة مجتمعة باسم القلوية، ترتبط مع أيونات الهيدروجين التي تنتج عند تكوين حمض الكربونيك، مما يحافظ على استقرار درجة حموضة المحيطات مقارنة بالظروف المتقلبة في الأنهار والبحيرات العذبة.
تلعب المحيطات القطبية دوراً حيوياً في هذا التوازن ودورة الكربون العالمية، حيث تمتص الكربون من الغلاف الجوي بشكل أسرع من المياه الاستوائية الدافئة. لكن هذه المناطق هي أيضاً الأكثر تأثراً بالتغيرات المناخية.
اكتشافات فريق البحث في مضيق يونغ سوند
على مدار 20 عاماً، قام فريق من جامعة آرهوس بدراسة ملوحة ودرجة حرارة وكيمياء الكربون في مضيق يونغ سوند. كل عام في شهر أغسطس، يقوم الباحثون برحلة تستغرق يومين إلى شمال شرق جرينلاند، حيث يقضون شهراً في الإبحار لمسافة 90 كيلومتراً عبر الخليج لجمع البيانات القيمة.
أظهرت القياسات أن فصل ذوبان الجليد قد طالت مدته، حيث أصبحت المياه الخالية من الجليد تدوم 8 أيام أطول مما كانت عليه قبل 20 عاماً. كما تراجعت الأنهار الجليدية التي تغذي الخليج، مما أدى إلى تصريف حوالي 5.5 ملايين متر مكعب من المياه الإضافية سنوياً في الخليج. هذه التغيرات أدت إلى تحلية المحيط الساحلي وتعديل كيميائه بشكل طفيف لكن هام.
منذ فترة طويلة، تُعرف الخلجان مثل يونغ سوند بأنها مصارف رئيسية لثاني أكسيد الكربون. المياه السطحية بالقرب من الأنهار الجليدية غالباً ما تحتوي على مستويات منخفضة جداً من ثاني أكسيد الكربون، مما يجعلها قادرة على امتصاص كميات أكبر من الغاز عند اختلاطها بمياه البحر الأكثر دفئاً.
"إن التغيرات في كيمياء المحيطات الساحلية في جرينلاند ليست مجرد ظاهرة محلية، بل هي مؤشر مبكر على كيفية استجابة المحيطات لتغير المناخ على نطاق عالمي."
— الباحثون في جامعة آرهوس
مستقبل المحيطات في ظل ذوبان الجليد المتسارع
مع استمرار ارتفاع درجات الحرارة وازدياد ذوبان الأنهار الجليدية، من المتوقع أن تزداد حساسية المحيطات الساحلية للتغيرات البيئية. هذا قد يؤثر على النظم البيئية البحرية، بما في ذلك الكائنات الحية التي تعتمد على استقرار كيمياء المياه.
تؤكد هذه الدراسة على أهمية المراقبة طويلة الأمد لفهم تأثيرات تغير المناخ على المحيطات، خاصة في المناطق القطبية التي تشهد أسرع التغيرات.