بعد عقود من العمل في عالم المال والأعمال، جلست مع عدد من رؤساء الشركات والسياسيين ورجال الأعمال الناجحين. على الورق، يبدو أنهم يملكون كل شيء: النجاح، الثروة، السلطة. لكن خلف الأبواب المغلقة، تظهر حقيقة قاسية: إنهم يشعرون بالعزلة الشديدة.

لديهم شركاء في الجولف، زملاء في العمل، معارف في الأندية. يمكنهم مناقشة السياسة أو تحليل ميزانيات الشركات لساعات طويلة. يعرفون من يتصلون به لحل أي مشكلة عمل. لكن عندما تنهار حياتهم الشخصية، لا يعرفون من يلجؤون إليه. نحن نعيش، بحسب إعلان الدكتور فيفيك مورثي، الجراح العام السابق للولايات المتحدة، في أزمة عزلة، أزمة صحية عامة تعادل في تأثيرها تدخين 15 سيجارة يومياً. لكن对于 الرجال، تأخذ هذه الأزمة طابعاً مختلفاً وصامتاً.

أزمة الصداقة الخفية بين الرجال

منذ فترة طويلة، تعلم الرجال درسا خطيراً: اعمل على حل مشاكلك وحدك. لا تظهر ضعفك. استمر في المضي قدماً. لسنوات، ظننا أن هذا العزل العاطفي هو علامة على القوة. أسمي هذه الظاهرة بـ «الفجوة الأخوية»: المسافة الكبيرة بين الأصدقاء الذين يظهرونهم للعلن والأصدقاء الحقيقيين الذين يحتاجونهم حقاً.

أرسطو، الفيلسوف اليوناني القديم، قسم الصداقات إلى ثلاثة أنواع:

  • أصدقاء المنفعة: علاقات نفعية مبنية على الفائدة المتبادلة. معظم الرجال اليوم لديهم الكثير من هذه الصداقات.
  • أصدقاء المتعة: الأصدقاء الذين تقضي معهم وقتاً ممتعاً، مثل شرب الجعة أو لعب كرة السلة. هذه الصداقات لها مكانتها، لكنها سطحية في النهاية.
  • أصدقاء الخير: الصداقات الدائمة القائمة على الاحترام المتبادل، القيم المشتركة، والرغبة في رؤية بعضنا البعض حقاً. هذه هي الصداقات التي لا تزول عندما تتوقف عن أن تكون مفيداً أو ممتعاً.

ما يعانيه الرجال اليوم هو الجوع إلى النوع الثالث من الصداقات، لكنهم نادراً ما يتعلمون كيف يبنونها.

لماذا يصعب على الرجال بناء صداقات عميقة؟

البحوث حول صداقات الرجال تظهر أن الرجال غالباً ما يتواصلون جنباً إلى جنب، من خلال أنشطة مشتركة مثل المشاريع أو الصفقات التجارية. لكن الصداقات العميقة تتطلب شيئاً مختلفاً: التواصل البصري، الهدوء، والاستعداد لقول «أنا لست بخير».

كثيراً ما يقضي الرجال ساعات طويلة معاً دون أن يسأل أحدهم الآخر بصدق: «كيف حالك حقاً؟» المشكلة أن ثقافة الشركات الأمريكية تعزز فكرة «الرجل الذي صنع نفسه»، مما يجعلنا نعتقد أن طلب المساعدة أو الاعتراف بالضعف هو علامة على الفشل.

قصة رجل لم يستطع طلب المساعدة

في بداية مسيرتي المهنية، عملت في البيت الأبيض تحت قيادة رئيس هيئة الأركان إرسكين بولز خلال عهد الرئيس كلينتون. اعتمدت على شخصيتي الجذابة لتمرير الرسائل في الغرف عالية المخاطر، مظهراً دائماً أنني أتحكم في كل شيء. كنت أقود من الإسكندرية، فيرجينيا، إلى واشنطن كل يوم، وأعمل لساعات طويلة. عندما تعطلت سيارتي، دفعت ثمن سيارة أجرة باهظة رغم ضيق مالي. في النهاية، علم إرسكين بالأمر، فدعاني إلى مكتبه وسألني بصراحة: «لماذا لم تخبرني أنك بحاجة إلى مساعدة؟»

لم يكن هذا السؤال سهلاً. لقد نشأت على الاعتقاد بأن الاعتماد على الآخرين علامة ضعف. لكن تلك اللحظة غيرت نظرتي تماماً. أدركت أن الرجال، حتى الأكثر نجاحاً، يحتاجون إلى أصدقاء حقيقيين، لا مجرد معارف.

كيف نغلب أزمة الصداقة بين الرجال؟

الحل يبدأ بتغيير ثقافتنا. بدلاً من تشجيع الرجال على تحمل كل شيء بمفردهم، يجب علينا تعليمهم أن طلب المساعدة هو علامة على القوة، لا الضعف. بعض الخطوات العملية تشمل:

  • الاستثمار في الصداقات العميقة: خصص وقتاً للجلوس مع أصدقائك دون أي أنشطة مشتتة، واسألهم بصدق عن أحوالهم.
  • تحدي الأساطير الثقافية: لا تدع فكرة «الرجل القوي» تمنعك من التعبير عن مشاعرك أو طلب الدعم.
  • البحث عن المجتمعات الداعمة: انضم إلى مجموعات أو نوادٍ تتيح لك بناء علاقات قائمة على القيم المشتركة، وليس فقط المصالح النفعية.
  • البدء من نفسك: إذا كنت رجلاً، ابدأ بفتح قلبك مع أصدقائك المقربين. قد تجد أنهم يعانون من نفس الشعور بالعزلة.

العزلة ليست علامة على القوة، بل هي جرح نحتاج جميعاً إلى معالجته. إن بناء صداقات حقيقية قد يكون التحدي الأكبر الذي يواجهه الرجال اليوم، لكنه أيضاً الحل الوحيد لشفاء «الفجوة الأخوية».

المصدر: Fast Company