بدافع الضرورة: لماذا استثمار هيرشي في كوبا؟

في مطلع القرن العشرين، كانت شركة هيرشي للشوكولاتة في أوج ازدهارها، حيث طورت تقنيات الإنتاج الضخم لمنتجاتها الشهيرة مثل شوكولاتة هيرشي وحلوى الكيس. لكن نقص السكر الناتج عن الحرب العالمية الأولى دفع مالك الشركة، ميلتون إس. هيرشي، للبحث عن مصادر جديدة.

لم يكن السكر هو الدافع الوحيد، بل كان لهيرشي ارتباط شخصي بكوبا، التي كانت تخضع آنذاك لحماية المعاهدة الأمريكية الكوبية لعام 1901، مما جعلها منطقة آمنة للاستثمارات الأمريكية.

شبكة السكك الحديدية الكهربائية: ثورة في النقل الصناعي

في عام 1916، بدأ هيرشي في بناء مزارع قصب السكر ومصانع السكر في كوبا، ثم توسع ليشمل شبكة سكك حديدية بطول 56 كيلومتراً. في البداية، كانت القطارات تعمل بالبخار، لكن تكلفة الوقود المستورد جعلت هيرشي يفكر في electrification.

بحلول عام 1920، أصبحت السكك الحديدية لهيرشي أول نظام قطارات كهربائية في كوبا، حيث زودت المصانع بالطاقة اللازمة وضمانت استمرار الإنتاج على مدار الساعة خلال موسم الحصاد. كما وفرت الكهرباء للمدن المجاورة مثل ماتانزاس والمناطق الريفية.

أرقام قياسية في الإنتاج

بحلول عام 1920، كانت إحدى مصانع هيرشي في كوبا تعالج 135 ألف طن من قصب السكر، منتجة أكثر من 14 مليون كيلوغرام من السكر سنوياً. وكان نظام السكك الكهربائية عاملاً رئيسياً في تحقيق هذه الأرقام.

مدينة هيرشي: نموذج المدينة الصناعية المثالية

لم يقتصر استثمار هيرشي على السكك الحديدية، بل شمل بناء مدينة صناعية كاملة أطلق عليها اسم سيينترال هيرشي (مركز هيرشي)، والتي أصبحت المقر الرئيسي لعمليات الشركة في كوبا.

استلهم هيرشي تصميم المدينة من نموذج هرشي، بنسلفانيا، الذي كان بدوره مستوحى من قرى industrial utopian مثل بورنفيل في إنجلترا. شملت المدينة مباني سكنية، مدارس، مستشفيات، ومرافق ترفيهية، مما جعلها واحدة من أكثر المدن تطوراً في كوبا آنذاك.

إرث هيرشي في كوبا

على الرغم من أن السكك الحديدية لهيرشي توقفت عن العمل في منتصف القرن العشرين، إلا أن إرثها لا يزال حاضراً في كوبا. فقد ساهمت في تطوير البنية التحتية للجزيرة، كما شكلت مثالاً مبكراً على الاستثمار الصناعي الأمريكي في الخارج.

«كان لهيرشي ارتباط شخصي بكوبا، وكان يؤمن بأن الاستثمار في الجزيرة لن يدر الربح فقط، بل سيساهم في تطويرها أيضاً.»
توماس ر. وينبيني، مؤرخ

دور السكك الكهربائية في الاقتصاد الكوبي

لم تقتصر فائدة السكك الكهربائية لهيرشي على نقل قصب السكر، بل امتدت لتشمل تزويد المدن المجاورة بالكهرباء. كما ساهمت في تحسين كفاءة الإنتاج الصناعي في كوبا، مما جعلها نموذجاً يحتذى به في ذلك الوقت.

الانتهاء من المشروع: ماذا حدث لاحقاً؟

في منتصف القرن العشرين، بدأت السكك الحديدية لهيرشي تفقد أهميتها بسبب التغيرات الاقتصادية والسياسية في كوبا. ومع ذلك، لا يزال بعض آثار هذا المشروع التاريخي موجوداً، مما يذكّرنا بفرادة هذا الاستثمار الأمريكي في الجزيرة الكاريبية.

المصدر: IEEE Spectrum