في مقال نشر مؤخراً بمجلة The Atlantic، وجه المفكر القانوني المحافظ غريغ نونزياتا دعوة صريحة إلى أقرانه لإعادة النظر في موقفهم التقليدي الداعم للسلطة التنفيذية الواسعة، مطالباً بفرض قيود أشد على صلاحيات الرئيس الأمريكي.
وأشار نونزياتا إلى أن إدارة ترامب الثانية كشفت عن ظاهرة وصفها بـ"القيصرية الأمريكية"، حيث لم تتبنَ أي أجندة تشريعية جادة، بل اعتمدت بدلاً من ذلك على الأوامر التنفيذية والمراسيم الطارئة والصفقات الاستغلالية، مستخدمة سلطتها لترجيح كفة حلفائها ومعاقبة خصومها.
وقد شملت ممارساتها أيضاً شن حروب عسكرية بناءً على أهواء شخصية، وتوظيف الجيش كأداة سياسية داخلية، في ظل تهميش دور الكونغرس وغياب الرقابة القضائية الفعالة. ويرى بعض الباحثين القانونيين أن هذا الواقع يشكل "سلطة تنفيذية مطلقة"، تهدد بتحويل الولايات المتحدة إلى نظام استبدادي في جوهره.
الدستور الأمريكي: السلطة المتوازنة سبيل الحرية
يستند الدستور الأمريكي إلى مبدأ أساسي مفاده أن الحرية لا تتحقق إلا بتوزيع السلطة بين فروع الحكومة الثلاثة. وكما حذر جيمس ماديسون، فإن تراكم السلطة في يد فرع واحد هو "تعريف الطغيان بحد ذاته".
ويشير نونزياتا إلى أن الآثار السلبية لهذا الخلل في التوازن уже واضحة: فالأوامر التنفيذية والمراسيم الطارئة لا تتمتع بالاستقرار الذي تتمتع به التشريعات التي يمررها الكونغرس، مما يؤدي إلى تقلبات حادة في السياسات من إدارة إلى أخرى. وهذا عدم الاستقرار يعرقل التخطيط المستقبلي للأسر والشركات، ويهدد الاستثمار والنمو الاقتصادي.
كيف وصلنا إلى هذه المرحلة؟
لم تظهر ظاهرة "القيصرية الأمريكية" فجأة مع وصول ترامب إلى السلطة، بل هي نتاج عقود من التراكم. ورغم أن المحافظين لم يكونوا وحدهم من ساهم في هذا الواقع، إلا أنهم كانوا من أبرز الداعمين لفكرة سياسية تتركز حول شخصية قيادية قوية، وهو ما بات يهدد استقرار البلاد اليوم.
ويقول نونزياتا، الذي قضى حياته المهنية في الحركة القانونية المحافظة، وشمل عمله تقديم المشورة للجمهوريين في مجلس الشيوخ بشأن تعيينات القضاة: "أصبحت مقتنعاً بأنه إذا أرادت الجمهورية Madisonian أن تستمر، يجب على المحافظين مواجهة دورنا في دفع الأمة إلى حافة الانهيار، والعمل على إعادة بناء الضوابط والتوازنات التي ساهمنا في تآكلها".
دعوة إلى إعادة النظر في الأولويات
ويتفق الكاتب مع معظم النقاط التي طرحها نونزياتا، لاسيما استنتاجه النهائي الذي يدعو الحركة القانونية المحافظة، والقضاء، وعلى الأخص الكونغرس، إلى بذل جهود أكبر لفرض قيود على السلطة التنفيذية. ويذهب الكاتب إلى أبعد من ذلك، مقترحاً عدة سبل لتعزيز هذه القيود:
- تعزيز مبادئ "عدم التفويض" و"المسائل الكبرى": يمكن لهذه المبادئ، التي طورها قضاة ومحامون محافظون، أن تكون أدوات فعالة لفرض قيود على السلطة التنفيذية. وقد ظهرت بعض آثارها الإيجابية بالفعل في قضية التعريفة الجمركية التي أصدرتها المحكمة العليا مؤخراً. ويمكن توسيع نطاق تطبيقها، لاسيما في مواجهة محاولات الرئيس لتأميم السيطرة على الانتخابات.
- تعزيز الرقابة القضائية والكونغرس على سلطات الطوارئ: يجب على المحاكم ألا تتقاعس أمام ادعاءات الرئيس بشأن وجود "تهديد غير عادي" أو "غزو" يبرر استخدام سلطات الطوارئ. وقد كتب الكاتب سابقاً عن هذا الموضوع، مؤكداً ضرورة إعادة النظر في هذه الممارسات.
ويختتم الكاتب قائلاً: "إن الحفاظ على الجمهورية Madisonian يتطلب منا جميعاً، بصفاتنا كمحافظين، الاعتراف بمسؤوليتنا التاريخية، والعمل على استعادة التوازن الدستوري الذي مهدنا الطريق لتآكله".