منذ أيام قليلة، تصدر فيلم "مايكل" للمخرج الفرنسي أنتوان فوكوا عناوين الأخبار، ليصبح واحدًا من أكثر الأفلام نجاحًا في العام الحالي، حيث يحتل المرتبة الرابعة من حيث الإيرادات. لكن خلف هذا النجاح، يخفي الفيلم قصة مثيرة للجدل، لا تتعلق فقط بسيرة المغني الأسطورة مايكل جاكسون، بل بطبيعة الفن نفسه وكيف يمكن أن يعيد كتابة التاريخ بما يخدم مصالح معينة.

فيلم "مايكل": بين الحقيقة والخيال

يأتي فيلم "مايكل" في وقت حرج، بعد عقود من الاتهامات الخطيرة التي طالت جاكسون، بدءًا من قضية عام 1993 مع الشاب جوردان تشاندلر، مرورًا بمحاكمته الجنائية عام 2005 التي انتهت ببراءته، وصولًا إلى الوثائقي الشهير "مغادرة نيفرلاند" سنة 2019، الذي كشفت فيه ضحيّتان مزاعم الاعتداء الجنسي. ورغم أن الفيلم يتوقف عند عام 1988، قبل سنوات من ظهور هذه الاتهامات، إلا أن السياق التاريخي يظل حاضرًا بقوة، مما يجعل من الصعب تقييم الفيلم بمعزل عن هذه الحقائق.

في هذا الصدد، يقول أحد المحامين المتخصصين في قضايا الترفيه: "من الخطأ الاعتقاد أن السيرة السينمائية يجب أن تقدم الحقيقة المطلقة. فالمالكين لحقوق الملكية الفكرية هم من يضعون القواعد، وغالبًا ما يكون الفيلم مجرد أداة للترويج لهذه الحقوق".

الفن والتاريخ: هل يمكن الفصل بينهما؟

تطرح قضية فيلم "مايكل" سؤالًا جوهريًا: إلى أي مدى يمكن للفن أن يكون أمينًا للتاريخ؟ فبينما نجح فيلم "الشبكة الاجتماعية" سنة 2010 في تقديم صورة قاسية لمؤسس فيسبوك مارك زوكربيرج، من خلال مشهد ختامي يصوره وهو يرسل طلب صداقة إلى حبيبته السابقة، إلا أن فيلم "مايكل" يتجنب تمامًا تناول الجوانب المظلمة في حياة جاكسون، مكتفيًا بإظهار صورته كشخصية ملهمة.

على النقيض من ذلك، نجد فيلم "ولادة أمة" سنة 1915 للمخرج د.و. غريفيث، الذي لم يكتفِ بتقديم رواية منحازة بل سعى إلىJustificar العنصرية ودعم KKK، مما أدى إلى انتشارها في الولايات المتحدة. في حين أن فيلم "مايكل" لا يصل إلى هذا المستوى من التحيز، إلا أنه يطرح تساؤلات حول مدى حيادية الفن عندما يكون تحت سيطرة أصحاب المصالح.

الجدل حول الفيلم: بين النجاح التجاري والرفض الأخلاقي

لم يكن إنتاج فيلم "مايكل" سهلًا، فقد تعرض لانتكاسة كادت أن توقف التصوير عندما تم اكتشاف أن الفيلم كان يستند في البداية إلى قضية عام 1993، التي تم تسويتها لاحقًا. ورغم أن الاتفاقية قضت بمنع أي ذكر للقضية أو الضحية، إلا أن المنتجين أصرّوا على المضي قدمًا، مما اضطرهم إلى إعادة تصوير أجزاء كبيرة من الفيلم على نفقتهم الخاصة، بدعم من تركة جاكسون.

هذا القرار أثار غضب العديد من النقاد والمشاهدين، الذين رأوا فيه محاولة لتجميل صورة جاكسون وتجاهل الاتهامات الخطيرة ضده. وفي هذا السياق، علّق المخرج دان ريد، صاحب الوثائقي "مغادرة نيفرلاند": "الناس لا يهتمون بالأطفال الذين تعرضوا للاعتداء من قبل جاكسون. هذا هو الواقع".

ما الذي يريده فيلم "مايكل" حقًا؟

على عكس الأفلام التي تسعى إلى كشف الحقيقة،無論 كانت مؤلمة، فإن فيلم "مايكل" يبدو وكأنه يهدف إلى تقديم صورة مثالية للمغني، بعيدًا عن أي انتقاد أو جدل. ورغم أن الفيلم حقق نجاحًا تجاريًا، إلا أنه يثير تساؤلات حول دور الفن في المجتمع: هل يجب أن يكون الفن أمينًا للتاريخ، أم أنه مجرد وسيلة للترفيه والتسويق؟

"الفن ليس مجرد ترفيه، بل هو مرآة تعكس قيمنا ومعتقداتنا. عندما يتجنب الفن مواجهة الحقائق المؤلمة، فإنه يخسر جزءًا من قيمته الحقيقية."

الخلاصة: هل يستحق فيلم "مايكل" هذا الجدل؟

في النهاية، يبقى فيلم "مايكل" مثالًا على كيف يمكن للفن أن يكون أداة للتسويق والترويج، بدلاً من كونه وسيلة لكشف الحقيقة. ورغم أن الفيلم قد نجح في جذب الجماهير، إلا أنه يطرح تساؤلات أخلاقية حول مدى حيادية الفن عندما يكون تحت سيطرة أصحاب المصالح. فهل يستحق الفيلم هذا النجاح على حساب تجاهل حقائق مؤلمة؟ أم أن الفن يجب أن يكون دائمًا أمينًا للتاريخ، مهما كانت التكلفة؟

المصدر: Aftermath