في ظل انتشار نماذج الذكاء الاصطناعي الحديثة التي تعتمد على بيانات حديثة، برز نموذج جديد يُدعى "توكى" (Talkie) والذي يُعد نقلة نوعية في مجال الذكاء الاصطناعي التاريخي. تم تدريب هذا النموذج الضخم، الذي يضم 13 مليار معلمة، على مجموعة واسعة من الكتب والصحف والمصادر النصية التي تعود إلى ما قبل عام 1930.
ويُعد توكى، الذي أُعلن عنه مؤخراً من قبل باحثين في جامعة تورونتو، أحد أكبر النماذج "العتيقة" من نوعها، حيث يتمكن من إجراء محادثات تبدو وكأنها تأتي من حقبة زمنية سابقة، عندما كانت الأفلام الصوتية لا تزال ظاهرة جديدة، وكان المذيعون ينقلون الأخبار بلهجة "ميد أتلانتيك" المميزة.
ويُثير توكى الدهشة بسبب عدم وعيه بحدود البيانات التي تم تدريبه عليها. وقال ديفيد دوفينو، الأستاذ المشارك في علوم الكمبيوتر بجامعة تورونتو، في تغريدة له: "النموذج لا يمتلك أي prompting system، كما أنه غير قادر بعد على التفكير بعمق كافٍ لاستنتاج تاريخه الزمني".
ومع ذلك، لا يخلو توكى من بعض الأخطاء، حيث أظهرت الاختبارات وجود تسرب زمني واضح، مثل معرفته بأن فرانكلين روزفلت كان رئيساً للولايات المتحدة بين عامي 1933 و1937، وهو أمر خارج نطاق البيانات المتاحة. ورغم ذلك، يفتح هذا النموذج الباب أمام تساؤلات مثيرة حول قدرات نماذج اللغة الكبيرة في التنبؤ بالمستقبل أو حتى تعلم لغات حديثة.
قدرات توكى المثيرة للاهتمام
أجرى الباحثون عدة اختبارات على توكى، كشفت عن قدراته الفريدة والمثيرة للجدل. فعلى سبيل المثال، تمكن النموذج من كتابة برامج بسيطة بخط واحد، رغم أن هذه القدرة لا تزال في مراحلها المبكرة. كما أظهرت الاختبارات أن توكى يجد الأحداث التاريخية المسجلة في قسم "في مثل هذا اليوم" من صحيفة نيويورك تايمز أكثر إثارة للدهشة بعد تاريخه الزمني، خاصة في خمسينيات وستينيات القرن الماضي.
ولم يقتصر الأمر على ذلك، بل قدم توكى تنبؤات غريبة ومثيرة للضحك في بعض الأحيان. ففي إحدى الاختبارات، تنبأ باندلاع حرب عالمية أخرى في عام 1936، واعتقد أن "الآلات الطائرة" ستدخل حيز الاستخدام اليومي للنقل بحلول ذلك الوقت. كما تنبأ بوقف الشمس عن الإشراق بحلول عام 1999، وهو ما قد يعكس المخاوف التي سادت في تلك الحقبة بشأن نهاية الألفية.
وفي اختبار آخر، وصف توكى الأفلام الصوتية بأنها "مبالغ فيها"، وقال بثقة: "لن تحل محل الأفلام الصامتة، لكنها قد تكملها، وربما تُعرض في نفس المسارح في المستقبل".
تساؤلات حول مستقبل الذكاء الاصطناعي
يطرح توكى تساؤلات عميقة حول إمكانيات نماذج اللغة الكبيرة في المستقبل. فهل يمكن لنموذج مدرب على بيانات تاريخية اكتشاف نظريات علمية حديثة بنفسه؟ كما تساءل الباحثون، مستشهدين بديميس هاسابيس، الرئيس التنفيذي لشركة جوجل ديب مايند: "هل يمكن لنموذج مدرب حتى عام 1911 اكتشاف نظرية النسبية العامة، كما فعل أينشتاين في عام 1915؟".
رغم أن الإجابة لا تزال غير واضحة، إلا أن توكى يمثل خطوة مهمة نحو فهم قدرات الذكاء الاصطناعي في محاكاة الماضي والتنبؤ بالمستقبل. ولا يزال هناك الكثير لنتعلمه من هذا النموذج الفريد، الذي يفتح آفاقاً جديدة في مجال البحث عن الذكاء الاصطناعي التاريخي.