أظهرت المحكمة العليا الأمريكية، التي يهيمن عليها قضاة عيّنهم الحزب الجمهوري، وجهها الحزبي الحقيقي من خلال قرارها الأخير بشأن تقسيم الدوائر الانتخابية. فقد زعمت الأغلبية المكونة من ستة قضاة، في قرارها الصادر بأغلبية 6-3، أن حكمها يستند إلى «النص الواضح» لقانون حقوق التصويت لعام 1965، و«يتماشى مع» التعديل الخامس عشر الذي يحظر التمييز العنصري في التصويت.
لكن الحقيقة أبعد من ذلك بكثير. فقرار المحكمة في قضية لويزيانا ضد كاليس لا يعدو كونه انقلابًا قانونيًا، حيث ألغت فعليًا أحد أهم أحكام قانون حقوق التصويت، وهو القسم 2، الذي يضمن للأقليات حقهم في انتخاب ممثلين من اختيارهم. وقد وصف القاضي صموئيل أليتو، الذي كتب رأي الأغلبية، القرار بأنه «تحديث» بسيط، لكن الواقع يكشف عن نية واضحة لتقويض الحقوق الانتخابية للأقليات.
على مدار العقود الماضية، مكن قانون حقوق التصويت الولايات الجنوبية من إرسال ممثلين من الأقليات إلى الكونجرس والمجالس التشريعية المحلية، بفضل الضمانات التي وفرها القانون لحماية حق التصويت للأقليات. وقد دافع الكونجرس مرارًا عن هذه الحماية، لكن المحكمة العليا، بأغلبية قضاتها الجمهوريين، قامت بتفريغها من محتواها، مما يضع حقوق الأقليات تحت تهديد جسيم.
في رأيها المختلف، حذرت القاضية إيلينا كاغان من خطورة القرار، قائلة إنه «يمكن أن يدمر معظم الدوائر الانتخابية ذات الأغلبية من الأقليات، والتي أنشأها قانون حقوق التصويت على مدى الأربعين عامًا الماضية». وأضافت أن القرار «يضع الأساس لأكبر تراجع في تمثيل الأقليات منذ عصر إعادة الإعمار»، مشيرة إلى أن المحكمة جعلت من القسم 2 من القانون «عديم الفائدة»، مهددة بذلك نصف قرن من المكاسب في مجال المساواة الانتخابية.
هذا القرار ليس الأول من نوعه الذي تتخذه المحكمة العليا لتقويض قانون حقوق التصويت، لكنه قد يكون الأخير. فمن المرجح أن يكون هذا القرار بمثابة «المسمار الأخير في نعش» القانون، بحيث يصعب على أي طرف مستقبلي الاعتماد عليه لحماية حقوق التصويت. وقد بدأت المحكمة، تحت قيادة رئيسها جون روبرتس، في «القضاء» على القانون منذ عام 2013، عندما ألغت شرط الحصول على موافقة مسبقة للمناطق ذات التاريخ التمييزي قبل تغيير خرائط الدوائر الانتخابية أو قواعد التصويت. كما واصلت المحكمة جعله أكثر صعوبة على المتضررين من القوانين التمييزية في التصويت إثبات انتهاكات حقوقهم.
وفي سياق متصل، أطلقت المحكمة العنان للتحيز الحزبي من خلال السماح بتقسيم الدوائر الانتخابية لأغراض حزبية، مما جعل من الصعب إثبات أن تقسيم الدوائر كان قائمًا على أسس عرقية. وقد جاء قرار كاليس ليربط بين هذين المسارين، حيث ألغى قانون حقوق التصويت بينما منح الضوء الأخضر لتقسيم الدوائر الانتخابية لأغراض حزبية.
ويؤكد الخبراء أن هذا القرار يمثل تحولًا خطيرًا في مسار الحقوق المدنية، حيث سيؤدي إلى تراجع التمثيل السياسي للأقليات في الولايات التي تشهد صراعات سياسية حادة. كما يحذرون من أن هذا القرار قد يفتح الباب أمام موجة جديدة من القوانين التي تستهدف حرمان الأقليات من حق التصويت، مما يعيد البلاد إلى حقبةDark Days من التمييز الانتخابي.