منذ عودته إلى البيت الأبيض العام الماضي، أطلق الرئيس دونالد ترامب سلسلة واسعة من السياسات المتعلقة بالمعادن الحرجة عبر أوامر تنفيذية. ورغم الإعلان عنها كإنجازات تاريخية، إلا أن معظم هذه السياسات، بدءاً من التعريفات الجمركية على المعادن الحرجة وصولاً إلى تخزين الاستراتيجيات وتمويل قانون الإنتاج الدفاعي، تعود جذورها إلى توصيات وبرامج ثنائية الحزب امتدت على مدار عقود من الإدارات المتعاقبة.
ومع ذلك، يبدو أن الديمقراطيين في الكونجرس عالقون في موقف دفاعي، حيث يركزون على انتقاد هذه السياسات بدلاً من صياغة استراتيجية بديلة. ففي جلسة استماع حديثة بمجلس النواب للموارد الطبيعية، انتقدت النائبة ياسمين أنصاري من واشنطن مشروع قانون SECURE للمعادن، وهو اقتراح ثنائي الحزب لإنشاء احتياطي استراتيجي للمعادن، بزعم أنه «إطار معرض للاحتيال والفساد». لكن المسودة تتضمن بالفعل ضوابط صارمة، مثل موافقة مجلس الشيوخ على أعضاء مجلس الإدارة، وعمليات تدقيق مستقلة سنوية، وتتبع علني وتقارير سنوية للكونجرس، وحظر تضارب المصالح، وغيرها من الضمانات.
وفي جلسة رقابية أخرى لاستعراض إعادة تفويض بنك التصدير والاستيراد، أعربت النائبة ماكسين ووترز عن قلقها إزاء مجرد اتصال الرئيس ترامب مع دول منتجة للمعادن في أفريقيا، متسائلة ببساطة: «ماذا يفعل؟». ورد رئيس بنك التصدير والاستيراد بتذكيرها بأن الميثاق القانوني للبنك يسمح له بالتعامل مع دول جنوب الصحراء الأفريقية.
في كلا الحالتين، يبدو أن عدم الثقة بالإدارة الجمهورية وقادتها قد أعمى الديمقراطيين عن الهدف الاستراتيجي الأوسع: بناء سلسلة إمدادات آمنة للمعادن الحرجة. فالديمقراطيون الذين يسعون لتعزيز القدرة التنافسية الاقتصادية الأمريكية وتطوير قطاعات التكنولوجيا النظيفة محلياً لا يمكنهم تحمل خسارة الوقت في صراع حزبي على حساب صنع السياسات الحقيقية. فضعف الولايات المتحدة في هذا المجال لا يمكن الانتظار حتى انتهاء ولاية ترامب.
ضرورة تبني الديمقراطيين موقفاً واقعياً
لتحقيق هذا الهدف، يتعين على الديمقراطيين تبني مواقف تتعارض مع العقيدة الحزبية الأخيرة. أولاً، عليهم الاعتراف بأن كلاً من الولايات المتحدة والعالم بحاجة إلى إنتاج مناجم جديدة، ودعم الحوافز والإصلاح التنظيمي للمشاريع الجديدة للمعادن الحرجة، وليس الاعتماد فقط على إعادة التدوير أو التعدين الثانوي أو الاستبدال. وثانياً، عليهم الاعتراف بأن مشاريع التعدين في الولايات المتحدة ودول الشركاء الديمقراطيين توفر أساساً أفضل لتحقيق معايير بيئية واجتماعية عالية مقارنة بالطرق السائدة حالياً لإنتاج العديد من المواد الخام.
هل نحتاج حقاً إلى مناجم جديدة؟
في جلسة استماع حديثة، طرح النائب كريستيان منفي من تكساس سؤالاً يلقي الضوء على مخاطر سياسات المعادن الضيقة جداً: «هل يجب أن تكون الأولوية لاستعادة المعادن الثانوية قبل افتتاح أي منجم جديد؟» بينما جادل بعض منظمات الدعوة والباحثين الأكاديميين بأن المناجم الحالية تنتج معادن كافية لتلبية الاحتياجات الأمريكية، إلا أن هذه التحليلات لا تأخذ في الاعتبار سوى الإمكانات النظرية لاستخراج كل عنصر موجود في الصخور المستخرجة، وليس الجدوى الفنية. فالتعافي العملي سيكون استثناءً وليس قاعدة. فعلى سبيل المثال، قد تواجه جهود إنتاج الليثيوم كمنتج ثانوي من رواسب النحاس والذهب تركيزاً يقل عن 20 جزء في المليون، مقارنة بتركيزات تتراوح بين 850 إلى 2000 جزء في المليون في مناجم الليثيوم الأمريكية الحالية تحت التطوير. أما بالنسبة للكوبالت، فتصل تركيزات 2400 جزء في المليون في منجم جervoos أيداهو للكوبالت، بينما لا يتجاوز تركيزه في منجم ريد دوج للزنك في ألاسكا 39 إلى 149 جزء في المليون.
إن الاعتماد على استعادة المعادن الثانوية وحدها لن يكفي لتلبية الطلب المتزايد، خاصة مع تزايد الطلب على التقنيات النظيفة مثل السيارات الكهربائية وبطاريات التخزين. فالمعادن الحرجة مثل الليثيوم والكوبالت والنيكل ضرورية لتحقيق انتقال الطاقة، ولا يمكن الاعتماد على مصادر غير مستقرة أو غير أخلاقية.
الطريق إلى الأمام: سياسة واقعية ومستدامة
لتحقيق أمن الإمدادات، يجب على الديمقراطيين تبني نهج شامل يشمل:
- دعم تطوير المناجم المحلية: مع ضمان الالتزام بأعلى المعايير البيئية والاجتماعية، بما في ذلك إعادة تأهيل الأراضي بعد التعدين وحماية المجتمعات المحلية.
- تعزيز التعاون الدولي: مع الدول الديمقراطية المنتجة للمعادن، مثل كندا وأستراليا، لضمان سلاسل إمدادات مستقرة وأخلاقية.
- إصلاح اللوائح التنظيمية: لتبسيط الإجراءات اللازمة للمشاريع الجديدة دون المساس بمعايير السلامة والبيئة.
- استثمار في البحث والتطوير: لتعزيز تقنيات التعدين المستدامة واستعادة المعادن من النفايات الصناعية.
إن الوقت ليس في صالح الولايات المتحدة. فبينما ينشغل الديمقراطيون في معارضة سياسات ترامب، تتزايد المخاطر الاقتصادية والأمنية. فبدلاً من التركيز على الصراع الحزبي، يجب عليهم صياغة سياسة للمعادن الحرجة تدعم أمن الطاقة والاقتصاد الأمريكي على المدى الطويل.