منذ عقود، تتصدر فجوات الثروة والدخل والفرص العرقية قائمة التحديات الاجتماعية والاقتصادية في الولايات المتحدة. لكن هناك فجوة أخرى، أقل شهرة، لكنها تتسبب في عدم المساواة الأكثر عمقاً وتأثيراً: الفجوة الزوجية.

هذا ما كشفه تقرير حديث صادر عن معهد «أميركان إنتربرايز»، تحت عنوان «أرض الفرص: تعزيز الحلم الأميركي»، والذي أعده كل من كيفن كورنث واسكوت وينشيب. وعلى الرغم من أن المؤلفين ليسوا من دعاة الثقافة المحافظة، إلا أن نتائجهم حول انهيار الأسرة الأميركية ودور الحكومة في تسريع هذا الانهيار لفتت الأنظار.

الأرقام تكشف حجم المأساة

في منتصف القرن العشرين، لم يكن يولد سوى طفل واحد من كل عشرين خارج إطار الزواج. أما اليوم، فقد ارتفعت النسبة لتصل إلى طفلين من كل خمسة. كما أن الولايات المتحدة تحتل المرتبة الأولى عالمياً في نسبة الأطفال الذين يعيشون في أسر مفككة، حيث تبلغ 23% مقارنة بمعدل عالمي لا يتجاوز 7%.

وفي دراسة استندت إلى المسح الوطني للشباب، تبين أن 40% من أبناء الجيل إكس (millennials) الذين نشأوا في أسر مستقرة من أبوين متزوجين حصلوا على شهادة جامعية، بينما لم يتجاوز هذا الرقم 17% بين من لم ينشأوا في مثل هذه الأسر. كما أن 77% من أبناء الأسر المستقرة حققوا دخلاً متوسطاً أو أعلى، مقابل 57% فقط بين من نشأوا في أسر مفككة. والأخطر من ذلك، أن هؤلاء الأخيرين أكثر عرضة للسجن بمرتين تقريباً، حتى بعد مراعاة العوامل الاجتماعية والاقتصادية الأخرى.

الفجوة تتسع بين الأغنياء والفقراء

لم يقتصر تأثير انهيار الأسرة على الأفراد فحسب، بل امتد ليشمل المجتمعات بأكملها. فالأحياء التي ترتفع فيها معدلات الأسر المفككة تشهد انخفاضاً في فرص التحرك الاجتماعي، حتى بين الأطفال الذين لم ينشأوا في مثل هذه الأسر.

وتشير الأبحاث إلى أن هذا الانهيار لا يحدث بالتساوي بين جميع الفئات. فمن عام 1970 إلى 2018، انخفضت نسبة الأطفال المولودين داخل إطار الزواج بنسبة 29 نقطة مئوية على المستوى الوطني. لكن هذا الانخفاض بلغ 47 نقطة مئوية بين الأسر ذات المستوى التعليمي الأدنى، مقابل 6 نقاط فقط بين الأسر ذات المستوى التعليمي الأعلى.

كما انخفضت معدلات الزواج بين النساء الشابات الأقل تعليماً بنسبة 46 نقطة مئوية منذ أوائل الستينيات، مقارنة بانخفاض 17 نقطة مئوية بين الأكثر تعليماً. وهذا يعني أن الفئات الأقل قدرة على تحمل تكاليف الأسر المفككة هي الأكثر تعرضاً لها.

الزواج ليس مجرد خيار شخصي.. بل ضرورة اجتماعية

على الرغم من أن الزواج مسألة شخصية، إلا أن تأثيره على المجتمع لا يمكن تجاهله. فالأسر المستقرة لا توفر فقط بيئة أفضل لتربية الأطفال، بل تساهم أيضاً في الحد من الفقر وزيادة فرص التحرك الاجتماعي.

وتؤكد الدراسات، مثل تلك التي أجرتها عالمة الاجتماع سارة ماكلاناهان من جامعة برينستون، أن غياب الأب يؤثر سلباً على رفاهية الأطفال، بغض النظر عن العرق أو المستوى التعليمي. كما أظهرت أبحاث الاقتصادي مليسا كيرني أن الزواج يحمي من الفقر، حيث تعاني الأمهات غير المتزوجات من معدلات فقر أعلى بكثير من الأمهات المتزوجات، بغض النظر عن العرق أو المستوى التعليمي.

«الزواج ليس مجرد مؤسسة اجتماعية، بل هو آلية أساسية لتحقيق الاستقرار الاقتصادي والاجتماعي».
– كيفن كورنث واسكوت وينشيب، معهد «أميركان إنتربرايز»

هل يمكن للحكومة أن تلعب دوراً إيجابياً؟

على الرغم من أن المؤلفين لا يدعون إلى تدخل حكومي مباشر، إلا أنهم يشيرون إلى أن السياسات الحالية قد تساهم في تسريع انهيار الأسرة، مثل الدعم المالي للأمهات غير المتزوجات دون تشجيع الزواج. فهل يمكن للحكومة أن تلعب دوراً إيجابياً في تعزيز الاستقرار الأسري دون فرض قيود على الحريات الشخصية؟

هذا السؤال يظل مفتوحاً للنقاش، لكن ما لا يمكن إنكاره هو أن الفجوة الزوجية هي واحدة من أكبر مظاهر عدم المساواة في أمريكا، وتحتاج إلى اهتمام عاجل.

المصدر: Reason