بعد مرور تسع أسابيع على حرب بدأت بزعم أنها ستنتهي في غضون أسبوعين أو ثلاثة، لا يزال التركيز الإعلامي والتحليلات السياسية محصوراً في التكتيكات اللحظية: من يتحكم بمضيق هرمز؟ ومتى سينتهي وقف إطلاق النار؟ وماذا سيفعل دونالد ترامب بعد ذلك؟
هذا التركيز مفهوم، لكنه يغفل النظر إلى الصورة الأكبر. حان الوقت لرصد ما فعله ترامب في هذه الأزمة، لأن نظرة شاملة تكشف مدى خطورة وضع رجل غير مستقر وسريع الغضب وغير حكيم في البيت الأبيض. باختصار: هو وحده من خلق الظروف التي جعلت الحرب ممكنة، وهو وحده من زرع الفوضى التي زعم لاحقاً أنها تستدعي الحرب.
لنقارن الأمر بمثال بسيط: تخيل رئيس بلدية لمدينة تعاني من توترات عرقية حادة، يتولى منصبه بعد اتفاق هش بين الأطراف المتنازعة. بدلاً من الحفاظ على الهدنة، يلغيها متهماً إياها بالضعف والتزوير. سرعان ما تندلع التوترات مجدداً، فيرسل الرئيس قوات مسلحة لفرض نزع السلاح على الأقلية، بينما يهدد بتدمير ثقافتهم بالكامل، ويقارن نفسه بالسيد المسيح. وفي الوقت نفسه، يتولى قائد عسكري العمليات باسم الله، مدعياً أن الرب يقف إلى جانبه.
هذا بالضبط ما حدث في الشرق الأوسط. ترامب انسحب من الاتفاق النووي الشامل مع إيران (JCPOA)، الذي توصلت إليه إدارة أوباما مع خمس دول أخرى. لم يكن الاتفاق مثالياً، لكنه كان بمثابة تسوية مع عدو يكره الولايات المتحدة. فقد حدد نسبة تخصيب اليورانيوم بحد أقصى 3.67%، وهو مستوى بعيد تماماً عن القدرة على تصنيع أسلحة نووية، حتى عام 2030. معظم بنوده كانت ستنتهي بحلول 2025، لكنه ترك المجال لإدارة مستقبلية لاستكمال المسيرة. إلا أن ترامب لم يكتفِ برفض الاتفاق، بل أحرقه تماماً.
الـJCPOA كان يتكون من حوالي 160 صفحة، لكن حتى لو افترضنا أن ترامب قرأه (وهو أمر مستبعد بنسبة 99.55%)، فإن النص الأساسي بدون الملاحق لم يتجاوز 18 صفحة. ومع ذلك، لم يقرأ حتى تلك الصفحات، لأن الاتفاق كان من إنجاز أوباما. هذا وحده كان كافياً لترامب لاتخاذ قراره.
في مايو 2018، أعلن ترامب انسحاب الولايات المتحدة من الاتفاق وفرض عقوبات قاسية تحت شعار «الضغط الأقصى». لكن النتيجة؟ الدول الأخرى حاولت الحفاظ على الاتفاق، لكنها فشلت بدونه. إيران سرعان ما رفعت نسبة تخصيب اليورانيوم، لتصل بحلول 2020 إلى مستويات أعلى مما كانت عليه قبل الاتفاق. من 3.67%، قفزت النسبة إلى 60%.
لم يتوقف الأمر عند هذا الحد. ترامب عزز من عزلة إيران الدبلوماسية والاقتصادية، مما دفعها إلى اتخاذ مواقف أكثر عدوانية في المنطقة. تصاعدت الهجمات على السفن في الخليج، واستهدفت منشآت نفطية، وزادت حدة التوترات مع حلفاء الولايات المتحدة في المنطقة. كل هذه الخطوات أدت في النهاية إلى اندلاع حرب لم تكن ضرورية لولا قراراته.
اليوم، بعد تسع أسابيع من الحرب، يبدو أن ترامب لم يتعلم من أخطائه. لا يزال يهدد بإجراءات أكثر قسوة، بينما تواصل إيران تصعيدها العسكري. الفوضى التي خلقها لم تعد مجرد تهديد، بل واقعاً مأساوياً.