منذ بداية الغزو الروسي لأوكرانيا في فبراير 2022، ظل الدعم الأمريكي والغربي ركيزة أساسية لصمود كييف في مواجهة العدوان. لكن في عام 2024، بدأت أصوات داخل الأوساط السياسية الأمريكية، خاصة بين بعض الجمهوريين، تتزايد مطالبة بوقف هذا الدعم، بحجة أن أوكرانيا لا تزال على وشك الهزيمة، وأن المساعدات الأمريكية تذهب هدراً أو ستؤدي إلى تصعيد غير محسوب.

الادعاءات التي انهارت: من «الحرب العالمية الثالثة» إلى «أوان الهزيمة»

كانت أبرز هذه الادعاءات تلك التي تبناها السيناتور الأمريكي جيه فينس، والذي نشر مقالاً في صحيفة نيويورك تايمز تحت عنوان «حسابات أوكرانيا لا تجتمع». زعم فينس أن أوكرانيا تفتقر إلى العدد الكافي من الجنود، حتى مع فرض التجنيد الإجباري، وأنها تحتاج إلى كميات هائلة من الأسلحة لا تستطيع الولايات المتحدة توفيرها، مما يجعل الهزيمة أمراً محتماً.

تبنى الرئيس الأمريكي دونالد ترامب هذا الخطاب لاحقاً، حيث قال خلال اجتماعه المشهور مع الرئيس الأوكراني فولوديمير زيلينسكي في فبراير 2025: «أنت الآن في موقف صعب للغاية، لقد سمحت لنفسك بالوصول إلى وضع سيء جداً. ليس لديك الأوراق الرابحة الآن».

لكن بعد مرور عام على هذه التصريحات، أثبتت الوقائع أن هذه الادعاءات كانت بعيدة تماماً عن الحقيقة. فبدلاً من الهزيمة، نجحت أوكرانيا في استعادة أراضٍ مهمة، مثل مدينة أفدييفكا في فبراير 2024، كما واصلت قواتها شن هجمات مضادة استراتيجية.

روسيا تخسر المعركة Narrative، أوكرانيا تفوز على الأرض

لم يقتصر الأمر على فشل الادعاءات الأمريكية فحسب، بل إن الكرملين بذل جهوداً كبيرة لمحاولة إقناع العالم بأن الهزيمة الأوكرانية أمر محتوم.According to the Institute for the Study of War (ISW)، «نجح الرئيس الروسي فلاديمير بوتين في نشر فكرة الهزيمة الأوكرانية، لكن نجاحه الأكبر لم يكن على الجبهة العسكرية، بل في معركة السرديات».

في ديسمبر 2024، قال ترامب إن روسيا «تحظى بميزة متفوقة» في أوكرانيا، مضيفاً: «في نهاية المطاف، الحجم سيفوز». لكن بعد أشهر قليلة، تبين أن هذا الكلام لم يعد له أي أساس. ففي مايو 2025، استعادت القوات الأوكرانية زمام المبادرة، واستعادت مناطق استراتيجية.

حتى في الخطاب الرسمي الروسي، بدأت هناك علامات على التغير. ففي احتفالات عيد النصر السنوية في 9 مايو 2025، أشار بوتين إلى أن الحرب «قد تقترب من نهايتها»، لكن هذا التصريح لم يحدد طبيعة هذه «النهاية». فهل تعني استسلام أوكرانيا؟ أم مفاوضات سلام؟ أم انسحاب روسي؟ لا يزال الأمر مفتوحاً للتأويل.

لماذا فشلت معادلة «الهزيمة المحتومة»؟

عند تحليل أسباب فشل هذه الادعاءات، نجد أن هناك عدة عوامل رئيسية:

  • الدعم الغربي المستمر: لم يقتصر الدعم الأمريكي على الأسلحة فحسب، بل شمل أيضاً التدريب والاستخبارات، مما مكن أوكرانيا من تحسين قدراتها العسكرية.
  • الابتكار العسكري الأوكراني: طورت أوكرانيا تقنيات دفاعية وهجومية مبتكرة، مثل استخدام الطائرات بدون طيار زيركا، والتي أثبتت فعاليتها في اعتراض الطائرات الروسية المسيرة.
  • ضعف الاستراتيجية الروسية: على الرغم من التفوق العددي الروسي، إلا أن سوء الإدارة العسكرية، وفساد القيادة، وعدم كفاية الإمدادات، أدت إلى خسائر فادحة.
  • الدعم الشعبي الأوكراني: ظل الشعب الأوكراني متحداً خلف قيادته، مما مكنه من تحمل الصعوبات والمضي قدماً في المقاومة.

المستقبل: هل ستستمر أوكرانيا في الصمود؟

في الوقت الحالي، لا تزال أوكرانيا تواجه تحديات كبيرة، لكن المؤشرات تدل على أن قواتها أصبحت أكثر قدرة على مواجهة التهديدات الروسية. فبعد عامين من الحرب، أثبتت Kyiv أنها قادرة على التكيف مع الظروف الصعبة، وأنها لن تستسلم بسهولة.

من ناحية أخرى، لا تزال الولايات المتحدة وأوروبا في موقف حرج، حيث يتعين عليهما مواصلة دعم أوكرانيا دون الوقوع في فخ التصعيد مع روسيا. فالمسألة لم تعد مجرد questão عسكرية، بل أصبحت questão سياسية واستراتيجية.

«إن الدعم الأمريكي لأوكرانيا لم يكن مجرد مسألة مالية أو عسكرية، بل كان استثماراً في الديمقراطية والاستقرار العالمي». المعهد الدولي للدراسات الاستراتيجية (IISS)

الخلاصة: الدروس المستفادة من الحرب

بعد مرور عامين على الغزو الروسي، أصبح من الواضح أن الادعاءات التي روجت لهزيمة أوكرانيا كانت مبنية على حسابات خاطئة. فبدلاً من الهزيمة، نجحت أوكرانيا في الحفاظ على وحدتها الإقليمية، بل واستعادت أجزاء مهمة من أراضيها. كما أثبتت أن الدعم الدولي، سواء العسكري أو الاقتصادي، كان عاملاً حاسماً في صمودها.

في الوقت نفسه، أظهرت الحرب أيضاً أن الاستراتيجية الروسية، التي اعتمدت على التفوق العددي، قد فشلت في تحقيق أهدافها. فبدلاً من الاستسلام، واصلت أوكرانيا مقاومتها، مما دفع روسيا إلى إعادة تقييم استراتيجيتها.

في النهاية، تبقى أوكرانيا رمزاً للصمود والديمقراطية في وجه العدوان، بينما تظل الولايات المتحدة وأوروبا أمام مسؤولية دعم هذا الصمود، ليس فقط لأجل أوكرانيا، بل لأجل القيم التي تدافع عنها.

المصدر: The Bulwark