منذ نشأة الولايات المتحدة، ارتبطت الانقسامات السياسية والمجتمعية بمفهوم الاستقلال، لكن قبل ذلك بكثير، كانت بذور الصداقة المدنية تُغرس في التقاليد الاستعمارية. ففي عام 1620، وقع رواد سفينة المايفلور ميثاقهم الشهير، معلنين عن ولائهم لبعضهم البعض وحرصهم على المصلحة العامة، قبل أن يبني أي منهم مستعمرة. هذا الميثاق، الذي جاء قبل تأسيس المجتمع، يعكس فكرة الصداقة المدنية التي تحدث عنها أرسطو، والتي تقوم على التعاون من أجل الصالح العام.
في كتابه الجديد «كنز قومي: كيف صنع إعلان الاستقلال أمريكا»، يستعرض المؤلف كيف أن الآباء المؤسسين استلهموا من هذه التقاليد المحلية فكرة الدولة القائمة على المساواة والصداقة المدنية، رغم الانقسامات التي كانت سائدة آنذاك. ففي زمن الثورة الأمريكية، وصف جون آدامز أن المجتمع كان منقسماً إلى ثلاثة أقسام: ثلث مع الثورة، وثلث ضدها، وثلث آخر يتذبذب بين الطرفين. ومع ذلك، ظل الأمل في بناء دولة تقوم على التعاون والمصلحة المشتركة حاضراً.
في القرن الثامن عشر، تحول مفهوم الصداقة المدنية من مجرد تعاون نفعي إلى شعور حقيقي بالوحدة، كما عبر عنه توماس بين في كتابه «العقل السليم». فقد رأى بين أن المجتمع هو الذي يخلق مشاعر الوحدة من خلال الأهداف المشتركة، مما يجعل الحكومة الذاتية هي النظام الوحيد القادر على تحقيق هذه الوحدة. لكن هذا المفهوم تعرض لاختبار صعب عندما فرضت بريطانيا «الأفعال غير المحتملة» عام 1774، مما أنهى حكم المستعمرات الذاتي وأزال أي فرصة للصداقة المدنية القائمة على المساواة.
فقدت المستعمرات حقها في الحكم الذاتي، ولم يعد بإمكانها أن تحكم بريطانيا بدورها، مما حول العلاقة بينهما إلى علاقة غير متكافئة وغير عادلة. ورغم الروابط الثقافية والاقتصادية التي استمرت نحو 170 عاماً بين المستعمرات وبريطانيا، إلا أن التدخل البريطاني في ماساتشوستس كشف عن عدم إمكانية وجود صداقة مدنية حقيقية في ظل هذه الظروف. ولم يكن حل هذا المعضلة إلا بالاستقلال، الذي أصبح ضرورة لتحقيق المساواة والعدالة في العلاقة بين الحاكم والمحكوم.