الحكومة الأمريكية تتسابق نحو الذكاء الاصطناعي: هل تتعلم من أخطائها؟
أعلن الرئيس الأمريكي دونالد ترامب وحكومته أن الذكاء الاصطناعي (AI) سيغير مستقبل البلاد، مما يجعلها أكثر ازدهاراً وكفاءة وأماناً. لكن هذه الرسالة ليست جديدة، فقد تكرر نفس الخطاب تقريباً قبل 15 عاماً تقريباً مع ظهور الحوسبة السحابية. فهل ستتعلم الحكومة من أخطاء الماضي في تبني التكنولوجيا الجديدة؟
كصحفي متخصص في الأمن السيبراني في ProPublica، ركزت أعمالي على مدى السنوات الماضية على كيفية تعامل الحكومة الفيدرالية ومقاوليها التقنيين، مثل مايكروسوفت، مع التحولات التكنولوجية الكبرى. ومن بين هذه التحولات، يأتي الذكاء الاصطناعي في المقدمة اليوم، حيث تتسابق جميع الجهات - من المستخدمين المنزليين إلى الشركات الكبرى والحكومة الفيدرالية - لاستخدامه.
الرسالة ذاتها: التحول التكنولوجي السريع
أكد ترامب وحكومته أن تبني الذكاء الاصطناعي بسرعة هو السبيل لتحقيق الازدهار والأمان. لكن هذه الدعوة ليست فريدة من نوعها، فقد استخدم الرئيس السابق باراك أوباما نفس اللغة تقريباً قبل 15 عاماً تقريباً مع ظهور الحوسبة السحابية. وقد كشفت تقاريري عن دروس قيّمة حول كيفية تعامل الحكومة الفيدرالية مع مثل هذه التحولات، وكيف يمكن أن تتجنب أخطاء الماضي في تبني الذكاء الاصطناعي.
الدروس الثلاثة: تحذيرات من تجارب سابقة
1. لا توجد وجبات مجانية في عالم التكنولوجيا
قبل ذلك: في أوائل عام 2020، تعرضت الحكومة الفيدرالية لعدة هجمات سيبرانية نسبت إلى روسيا والصين وإيران. ودعت إدارة بايدن الشركات التكنولوجية الكبرى للمساعدة في تعزيز دفاعات البلاد. ورداً على ذلك، تعهد الرئيس التنفيذي لمايكروسوفت، ساتيا ناديلا، بتقديم خدمات فنية بقيمة 150 مليون دولار لتحسين الأمن الرقمي الحكومي، بالإضافة إلى تقديم ترقية أمنية «مجانية» لعملائها الحكوميين.
الآن: أعلنت إدارة ترامب مؤخراً سلسلة من الاتفاقيات مع شركات تكنولوجية تهدف إلى تسهيل حصول الوكالات الفيدرالية على أدوات الذكاء الاصطناعي بأسعار مخفضة. فعلى سبيل المثال، يمكن للوكالات استخدام ChatGPT من OpenAI مقابل دولار واحد، وGemini من جوجل مقابل 47 سنتاً، وGrok من xAI مقابل 42 سنتاً. وكان الهدف من هذه الأسعار المنخفضة هو تسهيل حصول الفرق الفيدرالية على قدرات ذكاء اصطناعي قوية «لتعزيز تقديم المهام وزيادة الكفاءة التشغيلية».
لكن الدرس المستفاد هنا هو الحذر من العروض المجانية. فقد كشفت تحقيقاتي أن ما بدا وكأنه عرض بسيط كان في الواقع جزءاً من استراتيجية مدفوعة بالأرباح. بعد تثبيت الترقية، يصبح من الصعب على العملاء الحكوميين التحول إلى منافسين آخرين بسبب التعقيدات والتكاليف المرتفعة. وعندها، يصبحون مجبرين على دفع رسوم اشتراك أعلى.
«نجح العرض أكثر مما تخيلنا»، هذا ما قاله أحد الموظفين السابقين في مبيعات مايكروسوفت.
ورداً على استفساراتنا، قالت مايكروسوفت إن «الهدف الوحيد خلال هذه الفترة كان دعم الطلب العاجل من الإدارة لتعزيز الوضع الأمني للوكالات الفيدرالية، التي كانت مستهدفة باستمرار من قبل جهات تهديد متطورة».
وعلى الوكالات الحكومية الراغبة في شراء أدوات الذكاء الاصطناعي بأسعار مخفضة اليوم أن تأخذ في الاعتبار كيف يمكن أن ترتفع التكاليف لاحقاً.
2. الاعتماد على مورد واحد: خطر التبعية
أظهرت تجارب سابقة أن الاعتماد المفرط على مورد تكنولوجي واحد يمكن أن يؤدي إلى مشاكل كبيرة. فعلى سبيل المثال، عندما اعتمدت الحكومة الفيدرالية بشكل كبير على مايكروسوفت في الماضي، واجهت صعوبات في التنوع التكنولوجي، مما جعلها عرضة للاختراقات وللضغوط التجارية.
وفي حالة الذكاء الاصطناعي، قد يؤدي الاعتماد على مورد واحد إلى فقدان المرونة اللازمة لمواكبة التطورات السريعة في هذا المجال. كما يمكن أن يؤدي إلى ارتفاع التكاليف على المدى الطويل، حيث تصبح الوكالات الفيدرالية رهينة لأسعار المورد الوحيد.
3. الأمن السيبراني: الثمن الحقيقي للتكنولوجيا «المجانية»
أظهرت الهجمات السيبرانية الأخيرة أن الأمن الرقمي هو أمر حيوي لا يمكن المساومة عليه. فعلى الرغم من العروض «المجانية» للترقيات الأمنية، إلا أن الواقع يظهر أن هذه العروض غالباً ما تأتي مع شروط وخفية، مثل الالتزام باستخدام منتجات الشركة لفترة طويلة أو دفع رسوم إضافية مقابل المزايا الكاملة.
وفي حالة الذكاء الاصطناعي، قد يؤدي الاعتماد على أدوات من مورد واحد إلى زيادة نقاط الضعف الأمنية، حيث تصبح الأنظمة أكثر عرضة للاختراقات إذا لم يتم تحديثها بانتظام أو إذا لم يتم مراقبتها بشكل صحيح.
ماذا يمكن أن تتعلمه الحكومة من تجاربها السابقة؟
توفر تجارب الحكومة الفيدرالية مع الحوسبة السحابية والذكاء الاصطناعي دروساً قيّمة:
- التنوع التكنولوجي: يجب على الحكومة تجنب الاعتماد المفرط على مورد واحد، والعمل على تنويع مصادرها التكنولوجية لضمان المرونة والأمان.
- التكاليف الخفية: يجب على الوكالات الحكومية أن تدرك أن العروض «المجانية» غالباً ما تأتي مع تكاليف خفية، مثل رسوم الاشتراك المرتفعة لاحقاً أو قيود على استخدام المنتجات.
- الأمن السيبراني: يجب أن يكون الأمن الرقمي في مقدمة الأولويات عند تبني أي تكنولوجيا جديدة، خاصة في مجال الذكاء الاصطناعي الذي يتعامل مع بيانات حساسة.
- المرونة والتكيف: يجب على الحكومة أن تكون مستعدة للتكيف مع التطورات السريعة في مجال الذكاء الاصطناعي، والعمل على تحديث أنظمة الأمن والبنية التحتية بانتظام.
الخلاصة: الذكاء الاصطناعي فرصة يجب التعامل معها بحذر
يعد الذكاء الاصطناعي فرصة كبيرة للحكومة الفيدرالية لتحسين كفاءتها وخدماتها، لكنه يأتي مع تحديات كبيرة يجب مواجهتها بحذر. فالتجارب السابقة مع الحوسبة السحابية أظهرت أن الاعتماد السريع على التكنولوجيا دون دراسة كافية يمكن أن يؤدي إلى مشاكل كبيرة، سواء من حيث التكاليف أو الأمن السيبراني أو المرونة.
وعلى الحكومة أن تتعلم من هذه الدروس، وتعمل على تبني الذكاء الاصطناعي بطريقة مدروسة ومستدامة، تضمن تحقيق الفوائد المرجوة دون التعرض للمخاطر غير المحسوبة.