منذ 300 عام، تغيرت قواعد الثراء في الولايات المتحدة بشكل جذري، ليس بسبب تطور الاقتصاد فحسب، بل بسبب تغير المفاهيم الاجتماعية والثقافية المحيطة بالثروة. في كتابه الجديد "كيف تصبح غنياً في التاريخ الأمريكي: 300 عام من النصائح المالية التي نجحت (والتي لم تنجح)"، يقدم المؤرخ جوزيف مور تحليلاً عميقاً لهذه التحولات، ويكشف عن خمسة دروس رئيسية يمكن أن تساعد الأجيال الحالية والمستقبلية على فهم كيفية بناء الثروة في عالم متغير باستمرار.

من jail الأسر إلى الحرية المالية: كيف تغيرت قواعد اللعبة عبر العصور

أمضى مور، الذي نشر أبحاثه في صحف مثل The New York Times ودوريات أكاديمية مثل Oxford University Press، أكثر من عقد من الزمن في دراسة التاريخ المالي الأمريكي. ويقول في كتابه: "التاريخ لا يعطي قواعد ثابتة للثروة، بل يقدم لنا دروساً متغيرة يجب علينا التكيف معها". ويضيف: "أفضل استراتيجية هي عدم الاعتماد على نظرية واحدة، بل تجربة مزيج من الاستراتيجيات المالية، مع البقاء مرناً في مواجهة التغيرات الاقتصادية".

1. فرص الثراء لم تكن أبداً أفضل مما هي عليه اليوم

على الرغم من الانتقادات المتكررة حول صعوبة تحقيق الثراء، إلا أن الأرقام تثبت العكس. ففي القرن السابع عشر، في عام 1676، أحرق مستوطنو فرجينيا عاصمة مستعمرتهم احتجاجاً على عدم قدرة الفقراء على التقدم. وفي القرن التاسع عشر، كانت هناك خطابات تدعي أن "أدراج سلم النجاح قد تم قطعها". وحتى في الثمانينيات، كانت هناك توقعات سلبية حول قدرة جيل طفرة المواليد على التقاعد.

لكن الواقع مختلف تماماً: 6 من كل 10 أطفال يولدون في أدنى مستويات الدخل يخرجون من دائرة الفقر، و4 منهم يصلون إلى الطبقة المتوسطة أو العليا أو الغنية. وحتى 1 من كل 10 يصل إلى القمة. أما بالنسبة لأولئك الذين يولدون في القمة، فإن 64% منهم يفقدون ثرواتهم، و90% من أحفاد الأغنياء لا يبقون أثرياء. هذا يعني أن أمريكا، على الرغم من عدم وجود مساواة مثالية، توفر فرصاً أكبر مما نعتقد.

ملاحظة تاريخية: إذا اعتمد جيل طفرة المواليد على وظيفة واحدة لمدة 40 عاماً وادخار 10% في الأسهم، لكان هذا الاستثمار فشل في تمويل تقاعدهم في نصف السيناريوهات التاريخية تقريباً. فالأجيال السابقة اضطرت إلى الاعتماد على طرق مختلفة تماماً للثروة، مثل العمل الشاق والادخار المستمر، في ظل ظروف اقتصادية قاسية.

2. من jail الأسرة إلى الحماية المالية: كيف تغيرت المخاطر الاقتصادية

في القرن الثامن عشر، إذا أفلس شخص ما، كان يُسجن هو وعائلته بأكملها، بما في ذلك زوجته وأطفاله. هذه الحقيقة التاريخية، التي لم تذكر في مسلسل Hamilton، تعكس قسوة النظام المالي آنذاك. وفي سبعينيات القرن التاسع عشر، كان الأمريكي العادي يمتلك قطعة قميص ونصف فقط. ولشراء النصف الآخر، كان عليه العمل 60 ساعة في الأسبوع. كما لم تكن هناك تأمينات لحماية المنزل أو الدخل أو الأسرة.

أما في السبعينيات، عندما ولد مور نفسه، كان متوسط الدخل أقل بنسبة 30% مما هو عليه اليوم. ومع ذلك، كان العمل أكثر صعوبة، والمخاطر المالية أكبر بكثير. اليوم، نحن نعمل ساعات أقل مقابل أموال أكثر، مع مخاطر أقل من أي وقت مضى في التاريخ.

3. الحركة الجغرافية: مفتاح الثراء في الماضي والحاضر

في القرن التاسع عشر، كان واحد من كل ثلاثة أمريكيين يغير عنوانه سنوياً. لم تكن هذه مجرد هجرة داخلية، بل كانت استراتيجية اقتصادية. فالأشخاص الذين ينتقلون إلى مناطق جديدة كانوا يبحثون عن فرص أفضل، سواء في الزراعة أو التجارة أو الصناعة الناشئة. هذه الحركة ساعدتهم على تحسين أوضاعهم المالية بشكل ملحوظ.

اليوم، لا تزال الحركة الجغرافية تلعب دوراً مهماً في الثراء. فالهجرة إلى مدن ذات اقتصاد مزدهر، أو حتى إلى دول أخرى، يمكن أن تفتح أبواباً جديدة للفرص المالية. ومع تطور التكنولوجيا، لم تعد الحركة الجسدية شرطاً أساسياً، إذ يمكن للعمل عن بعد أن يوفر نفس الفوائد الاقتصادية.

دروس لا بد منها من التاريخ الأمريكي

من خلال تحليل مور، يمكن استخلاص عدة دروس رئيسية:

  • التكيف مع التغيرات الاقتصادية: لا توجد استراتيجية ثابتة للثروة. فما ينجح في عصر قد لا ينجح في عصر آخر. على سبيل المثال، الاعتماد على وظيفة واحدة لمدة 40 عاماً لم يعد كافياً في عالم يتغير بسرعة.
  • المرونة المالية: يجب على الأفراد تجربة مزيج من الاستراتيجيات، مثل الاستثمار في الأسهم، أو بدء عمل تجاري، أو تحسين المهارات، بدلاً من الاعتماد على مصدر دخل واحد.
  • المخاطر المالية في الماضي والحاضر: على الرغم من أن المخاطر المالية اليوم أقل بكثير مما كانت عليه في الماضي، إلا أن هناك دائماً مخاطر يجب مراعاتها. على سبيل المثال، الاعتماد على نظام التقاعد الحكومي وحده قد لا يكون كافياً في المستقبل.
  • الفرص المتاحة اليوم: على الرغم من التحديات الاقتصادية، إلا أن الفرص المتاحة اليوم أكبر من أي وقت مضى. فالتكنولوجيا، والتعليم، والتنقل الجغرافي يمكن أن تساعد الأفراد على تحسين أوضاعهم المالية بشكل كبير.
  • التخطيط للمستقبل: يجب على الأفراد عدم الاعتماد على الماضي في التخطيط لمستقبلهم. فالأجيال السابقة اضطرت إلى الاعتماد على طرق مختلفة تماماً للثروة، ويجب على الأجيال الحالية أن تفعل الشيء نفسه، مع الأخذ في الاعتبار التغيرات الاقتصادية والاجتماعية.

خاتمة: الثراء ليس مسألة حظ، بل استراتيجية متغيرة

في نهاية المطاف، يكشف كتاب مور أن الثراء ليس مسألة حظ أو ولادة في عائلة غنية، بل هو نتيجة لاستراتيجيات متغيرة ومتنوعة. فالتاريخ الأمريكي يثبت أن الفرص متاحة للجميع، بغض النظر عن خلفياتهم، شريطة أن يكونوا مستعدين للتكيف مع التغيرات الاقتصادية والاجتماعية.

ويقول مور: "الثروة لا تأتي من اتباع قواعد ثابتة، بل من فهم أن القواعد تتغير باستمرار، وأن المرونة هي المفتاح". ويضيف: "يجب على الأفراد أن يكونوا مستعدين لتجربة استراتيجيات جديدة، وأن يكونوا مستعدين للتكيف مع التغيرات الاقتصادية، حتى يتمكنوا من بناء ثروة مستدامة".

المصدر: Fast Company