في الثاني من مايو عام 1927، أصدرت المحكمة العليا الأمريكية قرارها التاريخي في قضية باك ضد بيل، والتي أصبحت واحدة من أكثر الأحكام إثارة للجدل في تاريخها.
جاء هذا القرار بعد أن استندت ولاية فرجينيا إلى قانونها لعام 1924، الذي يسمح بالتعقيم الإجباري للأشخاص الذين اعتبرتهم "غير لائقين وراثياً"، بهدف منع انتشار ما وصف آنذاك بـ"الجنوح الوراثي". وقد شملت الفئات المستهدفة الأشخاص ذوي الإعاقات الذهنية، والمرضى النفسيين، وحتى بعض المجرمين.
الوقائع القانونية للقضية
كانت كاري باك، امرأة تبلغ من العمر 17 عاماً، ضحية هذه السياسة. فقد تم تصنيفها على أنها "منخفضة الذكاء" بعد أن حملت خارج إطار الزواج، وهو ما اعتبرته السلطات دليلاً على عدم أهليتها لتربية الأطفال. بناءً على ذلك، تم ترحيلها إلى مؤسسة حكومية حيث تم تشخيص حالتها على أنها "عاجزة عقلياً"، مما أدى إلى صدور أمر بتعقيمها قسراً.
رفعت عائلة باك دعوى قضائية ضد الولاية، مدعية أن القانون ينتهك الحقوق الدستورية، إلا أن المحكمة العليا أيدت القانون بأغلبية 8 أصوات مقابل صوت واحد. وكتب القاضي أوليفر ويندل هولمز في رأيه الشهير: "من الأفضل للمجتمع أن يمنع أولئك الذين لا يصلحون وراثياً من التكاثر، حتى لو كان ذلك على حساب الحرية الفردية."
آثار القرار على المجتمع الأمريكي
على الرغم من أن القرار لم ينص صراحة على تعقيم جميع المصابين بالإعاقات الذهنية، إلا أنه شكل سابقة قانونية سمحت بتطبيق قوانين التعقيم في أكثر من 30 ولاية أمريكية أخرى. وقد تم تعقيم ما يقرب من 70 ألف شخص في الولايات المتحدة بين عامي 1907 و1963 بموجب هذه القوانين.
أدى هذا الحكم إلى معاناة آلاف الأشخاص الذين حرموا من حقهم في الإنجاب قسراً، مما ترك ندوباً عميقة في المجتمع الأمريكي. وقد تم إلغاء معظم هذه القوانين في الستينيات والسبعينيات من القرن الماضي، بعد أن تم الكشف عن فظائعها واعتبارها انتهاكات جسيمة لحقوق الإنسان.
الجدل المستمر حول القرار
ما زال حكم باك ضد بيل يُذكر كرمز للظلم القانوني وللإساءات التي ارتكبت باسم تحسين النسل. وقد ندد العديد من الخبراء القانونيين والأطباء بهذا القرار، واعتبروه واحداً من أكثر الأحكام ظلامية في تاريخ المحكمة العليا الأمريكية.
في عام 2002، اعتذر حاكم ولاية فرجينيا جيمس إس. غيلمور رسمياً عن هذا القانون، معترفاً بظلمه وانتهاكاته لحقوق الإنسان. كما أصدرت المحكمة العليا الأمريكية لاحقاً أحكاماً أخرى تدين مثل هذه السياسات، مؤكدة على عدم دستورية التعقيم الإجباري.
"إن قرار باك ضد بيل لا يزال يذكّرنا بضرورة حماية الحريات الفردية، حتى في الأوقات التي تسود فيها الأيديولوجيات التي تسعى إلى تحسين المجتمع على حساب حقوق الإنسان."