منذ فترة، يسعى الرئيس الأمريكي دونالد ترامب وحزب الكونجرس إلى تقديم حلول لتعزيز الادخار التقاعدي للأسر الأمريكية. وفي حين أن الهدف يبدو نبيلًا، إلا أن الخبراء يحذرون من أن هذه المبادرات قد لا تعالج الأسباب الحقيقية لنقص الادخار، بل قد تزيد من الأعباء المالية على الميزانية الفيدرالية.
على المستوى الفردي، يعد الادخار حجر الأساس للأمن المالي، فهو بمثابة رأس المال الأولي لتحقيق تقاعد أفضل. أما على المستوى الاقتصادي، فإن الادخار يمول الاستثمارات التي توسع رأس المال، وترفع الأجور، وتدفع عجلة النمو. فالمجتمع الذي لا يدخر هو مجتمع يستهلك مستقبله ببطء. ومن هنا، فإن أي سياسي يسعى لمساعدة الأمريكيين على الادخار يستحق الاستماع إليه على الأقل.
لكن السؤال الأهم: ما هي الخطوات التي يجب على السياسيين اتخاذها؟ يرى الخبراء أن أولى الخطوات هي إزالة جميع الحواجز الحكومية التي تعيق الادخار، مثل تصميم نظام الضمان الاجتماعي الذي يقلل من حافز الادخار، والنظام الضريبي الذي يفرض ضرائب مزدوجة على المدخرات، سواء كدخل أو كعائدات استثمار. كما أن معالجة الديون الفيدرالية الضخمة، التي تهدد بإعادة التضخم وتدمير قيمة المدخرات الحالية، ستكون خطوة حاسمة.
ومع ذلك، فإن هذه ليست الخطط التي ينوي ترامب تنفيذها من خلال أمره التنفيذي الأخير، الذي يوجه وزارة الخزانة الأمريكية لإطلاق منصة TrumpIRA.gov. تهدف هذه المنصة إلى تمكين العمال الذين لا يمتلكون خطط تقاعد مدعومة من قبل أصحاب العمل من البحث عن حسابات تقاعد خاصة بهم. كما ستتيح لبعضهم المطالبة بمطابقة مدخراتهم الفيدرالية تصل إلى 1000 دولار سنويًا.
على الرغم من أن تفاصيل هذه الخطط لا تزال غامضة، إلا أنه يمكن الاستدلال عليها من مشروع قانون ثنائي الحزب حاليًا في الكونجرس، وهو قانون الادخار التقاعدي للأمريكيين. يقترح هذا القانون إلزام العمال الذين يقل دخلهم عن المتوسط الوطني تلقائيًا بفتح حسابات تقاعد جديدة، مع تقديم مساهمات مطابقة من الحكومة. ووفقًا لبحوث مؤسسة راند، فإن حوالي 63 مليون عامل مؤهلون للحصول على هذه الحسابات، بينما يستحق 42 مليونًا منهم المطابقة الحكومية.
ويشهد دعم الحزبين لهذه الفكرة نموًا ملحوظًا. فبينما ترى firms وول ستريت في هذه المبادرة فرصة لجلب عملاء جدد، يرى التقدميون في ذلك توسعًا لدور الحكومة في التقاعد. أما المحافظون، فيرون في هذه الخطط طريقًا خلفيًا لخصخصة نظام الضمان الاجتماعي. ومع ذلك، يحذر الخبراء من التفاؤل المفرط بهذه المبادرات.
لنبدأ بالنواة الأساسية لهذه الاقتراحات. فمساهمة المطابقة المدخر (Saver's Match) ليست ابتكارًا ترامب، بل تم إنشاؤها بموجب قانون SECURE 2.0 لعام 2022 خلال رئاسة جو بايدن. لم يقم ترامب سوى بتسريع نشرها وزيادة وضوحها. لكن التكلفة ستكون باهظة. ففي مقال لها في صحيفة واشنطن بوست، كتب رومينا بوكا من معهد كاتو أنه إذا تم تطبيق هذه المبادرة وفقًا لمشروع القانون المذكور، فإن العمال منخفضي الدخل الذين يمتلكون حسابات تقاعد حاليًا سيحصلون على ما يصل إلى 1000 دولار كمساهمة مطابقة، بتكلفة تصل إلى 9.3 مليار دولار على دافعي الضرائب الفيدراليين حتى عام 2032. أما إذا تم توسيع نطاق الاستحقاق وإلزام العمال الذين لا يمتلكون حسابات تقاعد حاليًا، كما يقترح القانون الثنائي الحزب، فإن التكلفة ستتضاعف لتصل إلى 285 مليار دولار على مدى العقد الأول وحده.
هذه أموال حقيقية ستضاف إلى ميزانية فيدرالية تعاني بالفعل من أعباء نظام الضمان الاجتماعي، الذي يواجه عجزًا طويل الأجل يقدر بحوالي 28 تريليون دولار. لكن الاعتراض المالي، على الرغم من خطورته، ليس هو الأعمق. فالمشكلة الأعمق تكمن في أن مؤيدي هذه الاقتراحات قد أساءوا فهم سلوك الادخار للأسر التي يدعون إلى مساعدتها.
تشير عقود من الأبحاث الاقتصادية إلى قصة متسقة: الأسر منخفضة الدخل لا تفشل في الادخار بسبب عدم وجود حوافز، بل بسبب عدم وجود فائض ماليそもそも. فمعظم هذه الأسر تعيش من راتب إلى راتب، ولا تمتلك أي مدخرات طارئة، ناهيك عن المدخرات طويلة الأجل. لذلك، فإن تقديم حوافز مالية دون معالجة الأسباب الهيكلية لنقص الادخار لن يحقق الفائدة المرجوة.