خلفية القضية: قرار «نيويورك ضد بروين» وإشكالية الأماكن «الحساسة»

أعاد قرار المحكمة العليا الأمريكية في قضية نيويورك ضد بروين (New York State Rifle & Pistol Association v. Bruen) في عام 2022، التأكيد على أن التعديل الثاني للدستور يحمي الحق في حمل السلاح، مشدداً على ضرورة أن تبرر الدول القيود المفروضة عليه بالاستناد إلى التقاليد التاريخية لتنظيم الأسلحة في الولايات المتحدة. وقد اعتمدت المحاكم بعد ذلك على هذا القرار لتأييد حظر حمل السلاح في أماكن تعتبر «حساسة»، مثل المهرجانات والأسواق، مستندة إلى فهم خاطئ للقوانين التاريخية.

الاقتباس المزيف: كيف أخطأت المحاكم في قراءة التاريخ

أظهرت دراسة حديثة نشرتها مجلة القانون والحكم المدني بجامعة تكساس إيه آند إم، أن محاكم أمريكية، بما في ذلك الدائرة الثانية، اعتمدت على اقتباس مزيف لتأييد حظر حمل السلاح في الأماكن «الحساسة». وجاء ذلك في قضية أنطونيوك ضد جيمس (Antonyuk v. James)، حيث زعمت الولاية أن قوانين فيرجينيا وكارولينا الشمالية في القرن الثامن عشر حظرت حمل السلاح في المهرجانات والأسواق بشكل مطلق.

ومع ذلك، كشفت الدراسة أن هذا الادعاء مبني على فهم خاطئ للقوانين التاريخية. ففي ولاية كارولينا الشمالية، لم يكن حمل السلاح جريمة إلا إذا تم القيام به بشكل «مهاجم» أو «مخيف»، بينما لم يكن هناك أي حظر مطلق لحمل السلاح في الأماكن العامة. وقد تجاهت المحكمة هذا التفصيل، معتمدة على كتاب خاص نُشر في عام 1792، كتبه فرانسوا-زافييه مارتن، والذي تضمن اقتباساً من قانون «نورثهامبتون» الإنجليزي لعام 1328.

القوانين التاريخية في كارولينا الشمالية: من 1741 إلى 1855

في عام 1741، أصدرت مستعمرة كارولينا الشمالية قانوناً نص على اعتقال الأشخاص الذين يحملون السلاح بشكل «مهاجم» في حضور المأمورين، بينما حظرت على العبيد حمل أي نوع من الأسلحة. وقد تم تحديث هذا القانون في عام 1791، وظل سارياً حتى عام 1855 على الأقل. ولم يكن حمل السلاح جريمة إلا إذا تم القيام به بشكل يثير الرعب أو الاعتداء، وليس لمجرد وجوده.

وقد أكدت السوابق القضائية في الولاية هذا الفهم. ففي قضية ستايت ضد هانتلي (State v. Huntly) عام 1874، تم التأكيد على أن «حمل البندقية بذاته لا يشكل جريمة»، وهو ما تم تكراره في قرارات لاحقة حتى عام 2024. ومع ذلك، تجاهت محكمة الدائرة الثانية هذا الفهم، معتمدة على الاقتباس المزيف من كتاب مارتن.

دور كتاب مارتن في تضليل المحاكم

اعتمد القاضي بريير، في معارضته لقرار «بروين»، على كتاب مارتن كمرجع قانوني، زاعماً أن كارولينا الشمالية «نقلت نص قانون نورثهامبتون الإنجليزي حرفياً». إلا أن الدراسة كشفت أن هذا الادعاء غير دقيق، وأن القانون الإنجليزي لم يكن له تأثير مباشر على القوانين الأمريكية في ذلك الوقت. كما أن المحكمة العليا نفسها أشارت في قرارها إلى أن قانون نورثهامبتون «ذو صلة ضئيلة بالتعديل الثاني»، الذي تم اعتماده في عام 1791.

«لقد بنى القاضي أنطونيوك قضيته على أساس من أوراق اللعب، متجاهلاً القوانين الفعلية لولاية كارولينا الشمالية»، كما جاء في الدراسة. «فبدلاً من الاعتماد على السوابق القضائية أو النصوص القانونية الأصلية، اعتمد على كتاب خاص نُشر في القرن الثامن عشر، وهو ما أدى إلى فهم خاطئ للقوانين التاريخية».

آثار القرار: كيف يؤثر الفهم الخاطئ على حقوق المواطنين

أدى هذا الفهم الخاطئ إلى تمكين الدول من فرض قيود واسعة على حق المواطنين في حمل السلاح، مستندة إلى سوابق قضائية مبنية على معلومات خاطئة. وقد حذرت الدراسة من أن هذا النهج قد يؤدي إلى تقييد حقوق المواطنين بشكل غير مبرر، خاصة في ظل عدم وجود تقليد تاريخي حقيقي يدعم مثل هذه القيود.

وأشارت الدراسة إلى أن قرار «بروين» كان من المفترض أن يعزز حماية حقوق المواطنين بموجب التعديل الثاني، إلا أن الاعتماد على معلومات خاطئة أدى إلى نتيجة عكسية. وقد دعا الباحثون إلى مراجعة السوابق القضائية الحالية، والتأكد من دقة الاعتماد على المصادر التاريخية في القضايا الدستورية.

المصدر: Reason