خلال جلسة استماع مشتركة للجان الخدمات المسلحة بمجلس النواب والشيوخ، تعرض وزير الدفاع الأمريكي بيت هاغسيث لضغوط من قبل أعضاء من الحزبين الجمهوري والديمقراطي بشأن قراراته الأخيرة بفصل قادة عسكريين كبار، من بينهم رئيس أركان الجيش الجنرال راندال جورج، المعروف بسمعته الطيبة.
وعندما سئل عن أسباب هذه القرارات، تجنب هاغسيث تقديم تفاصيل محددة، لكنه كررFocus على ضرورة «تغيير ثقافة وزارة الدفاع». وأضاف أن الجيش الأمريكي قد انحرف عن مساره نحو «الهندسة الاجتماعية العرقية والجندرية»، مما أثر سلباً على «الجدارة»، ودعا إلى ثقافة جديدة تجعل القوات «غير مقيدة» وتولي الأولوية «للفتك».
هذا التفسير، بحسب جنرال متقاعد خدم لأربعة عقود في الجيش، لا يخلو من الغموض بل قد يكون خطيراً. فخلال مسيرته العسكرية، التي شملت قيادتهم في المعارك وفي أوقات السلم، ثم دراسته للأعمال التجارية وتدريسه لطلاب ماجستير إدارة الأعمال، تعلم أن «الثقافة» ليست مجرد شعار قابل للتطبيق عشوائياً.
وأضاف الجنرال المتقاعد: «الثقافة العسكرية الأمريكية واحدة من أقوى الثقافات التنظيمية في العالم، على الرغم من أنها ليست مثالية. فهي مبنية على الثقة والانضباط واحترام كل فرد في الفريق».
وأشار إلى أن القدرات التي يفتخر بها هاغسيث في الجيش، مثل التدريب والتنسيق القتالي والدعم اللوجستي ورعاية الجنود وعائلاتهم، لم تظهر فجأة بعد تولي هاغسيث منصبه، بل هي نتاج عقود من الخبرة والتدريب والتكيف المستمر.
وأكد أن «التحول» في الجيش ضروري بسبب التغيرات السريعة في طبيعة الحروب، لكن هذا التحول لا يعني إعادة اختراع الثقافة، ولا يمكن تحقيقه ببساطة بفصل القادة العسكريين تحت مسمى «تغيير الثقافة».
الثقافة ليست مجرد slogan
بعد تقاعده، دخل الجنرال المتحدث إلى القطاع الخاص وبدأ تدريسه لطلاب ماجستير إدارة الأعمال، حيث أدرك مدى صعوبة تعريف «الثقافة» وقياسها وتطويرها حتى لدى كبار التنفيذيين الناجحين. فطلاب كليات الأعمال يدرسون حالات نجاح الشركات وفشلها في بناء ثقافة تنظيمية قوية، ويبحثون في أسباب ذلك.
ولهذا، فإن الدعوة إلى «تغيير الثقافة» بدون تعريف واضح يثير القلق، لأن مثل هذه العبارات الفضفاضة غالباً ما تكون علامة على غياب الفهم الحقيقي للقضية، سواء في القطاع العسكري أو القطاع الخاص.
ويعود أحد أشهر التعريفات الثقافية إلى مقال نشر عام 2013 في هارفارد بزنس ريفيو، حيث وصف خبير الإدارة مايكل مانكينز الثقافة التنظيمية بأنها «مجموعة من العناصر المختلفة التي تتحد لتشكيل هوية المؤسسة».
«الثقافة ليست مجرد كلمات رنانة، بل هي نظام متكامل من القيم والممارسات التي تحدد سلوك الأفراد داخل المؤسسة». مايكل مانكينز
مخاطر الدعوة إلى «تغيير الثقافة» بدون خطة واضحة
في القطاع العسكري، حيث تكون الثقة والانضباط من الركائز الأساسية، يمكن أن تؤدي الدعوات الفضفاضة إلى «تغيير الثقافة» إلى تفكك داخلي وضياع للهدف المشترك. فالتحول الحقيقي يتطلب وقتاً وجهداً منسقاً، وليس مجرد تغيير في القيادة تحت شعارات براقة.
وأكد الجنرال المتقاعد أن الجيش الأمريكي نجح عبر عقود في بناء ثقافته الفريدة، التي مكنته من مواجهة التحديات المختلفة، من الحروب التقليدية إلى العمليات غير النظامية. وهذه الثقافة لم تتشكل بين ليلة وضحاها، بل كانت نتاج تجارب مريرة وتعلم مستمر.
وأضاف: «عندما نسمع دعوات لتغيير الثقافة بدون شرح واضح، يجب أن نتساءل: هل هذا تغيير حقيقي أم مجرد محاولة لإخفاء فشل في القيادة؟».